معلمة الكرة الأرضية…بين الأمس و اليوم ماذا تغير؟؟

محمد العزري
ارتبطت مدينة البيضاء دوما بمجموعة من الفضاءات و المعالم التي شكلت ذاكرة حية للمدينة، منها من كانت و لا تزال مرجعا لعاصمة المال و الأعمال و أحد أبرز معالمها، ممر الكرة الأرضية واحد من هذه المآثر التاريخية التي تبقى لها دلالتها الرمزية في أعراف البيضاويين، حتى أن زيارة المدينة لن تكتمل عند ضيوفها دون زيارة هذا الفضاء، إلا أن دوام الحال من المحال كما ظلت تتغنى بذلك تلك القطعة الموسيقية لـ”ناس الغيوان”.

إبداع هندسي جميل، رغم أنه بات عرضة لبعض عيوب الزمن نتيجة الإهمال، اليوم، تغير الوضع، و تلك القصة الجميلة التي ظل “بيضاوة” ينشدونها حول ذكريات رسخت بالأذهان وكانت قد ارتبطت بالكرة الأرضية، لم تعد سوى حبيسة بعض ألبومات الصور، فالممر مقفول لعدة سنين، وتحول لمرتع لعشرات المتشردين و المنحرفين، يقضون الليل و النهار، ورائحة البول تستقبلك على بعد أمتار عديدة، لتظل شاهدة على غض الطرف و سياسة “العام زين” من طرف من يسبحون في فلك مجلس المدينة، إلى أن تحولت هذه المعلمة إلى مرتع لتنفيذ بعض العمليات الاجرامية منها القتل و الاغتصاب…
هذه الحوادث المتكررة دفعت بعض المسؤولين إلى دق ناقوس الخطر و التحرك من أجل إيجاد صيغة أو حتى “تخريجة” مناسبة، فكانت بعض الترميمات البسيطة التي استهدفت الشكل الهندسي لهذه المعلمة، قبل أن تعود دار لقمان لحالها و يتأزم الوضع بها أكثر، في انتظار يد رحيمة تخلصها من تعاقب السياسات الفاشلة لمدبري الشأن العام بالعاصمة الاقتصادية، وهي الحلول التي غابت حتى بعد خروج شركة التنمية المحلية لأرض الوجود وفشلها بدورها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه بخصوص هذا الممر.

وبالعودة بعقارب الزمن لأزيد من سبع سنوات للوراء، قبل تدشين الخط الأول للترامواي من طرف الملك محمد السادس و الوزير الأول الفرنسي في دجنبر 2012، كانت قد نبهت السلطات المحلية حينها، إلى أن هناك ممر أرضي وسط المدينة يشكل نقطة سوداء بالمدينة المليونية، مما دفع مجلس جماعة البيضاء ساعتها إلى مباشرة الإصلاحات بهذا الممر، غير أنها و حسب إجماع جل المهتمين بالشأن البيضاوي لم تكن في المستوى المطلوب، خاصة وأنها لم تتجاوز إضافة بعض الروتوشات البسيطة وطلاء واجهتها باللونين الأحمر و الأخضر، دون أن يعي أصحاب هذا القرار المتسرع، قداسة اللونين حتى يكونا واجهة لفضاء تنتهك فيه حرمة الأبرياء و تغتصب داخله براءة طفولة مشردة ممن وجدوا أنفسهم لظرف ما،دون سند و لا مأوى يقيهم هجمات الذئاب البشرية.

هذا، و ظن كل من تتبع عملية طلاء واجهة مجسم الكرة الأرضية هنالك بوسط مدينة البيضاء ، حيث يتوافد السياح الأجانب، أن الحياة ستعود لهذا المتنفس الحيوي الذي جرى إعدامه مع سبق الاصرار و الترصد.
شهادات ساكنة المنطقة خاصة بالمدينة القديمة للعاصمة الاقتصادية، كلها تسير في اتجاه إلقاء اللوم على المسؤولين، مجمعين على أن تهميشها هو بمثابة إقبار لذاكرة مدينة طالما شكلت متنفسا ورمزا لـ “بيضاوة”.
وفي هذا الصدد يقول أحد السكان: (الممر يموت تدريجيا، ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه أن يرتدي ممر الكرة الأرضية حلة جديدة وجذابة، إلا أن الصورة و الوضع ازداد قتامة مع توالي السنين، في وقت كان عبد العزيز العمري، عمدة مدينة الدار البيضاء، قد كشف في تصريحات صحفية قبل شهرين، أن سبب تعثر الأشغال بمجسم “الكرة الأرضية” راجع إلى “عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار في المعلمة وإعادة تأهيلها”.
مضيفا أنه “تم إصلاح الشق العلوي من الكرة الأرضية من طرف شركة الدار البيضاء للتراث، أما بالنسبة للممر تحت أرضي فإن شركات القطاع الخاص لم تبدي أي اهتمام، كونهم يعتبرونه غير مثمر، وإن كانت إحدىالشركات قد دخلت للمساهمة في المشروع، إلا أن الأمر ظل على حاله، فالمعلمة التاريخية “الكرة الأرضية” لا تزال محاطة بسياج مانع، بينما رائحة البول التي تزكم الأنوف تستقبل السياح المتوافدين على المدينة ونزلاء إحدى الوحدات الفندقية بالقرب منها… في انتظار من يخرجها من بوثقة الإهمال و التهميش.



