الرأي

العمل الجمعوي بدوار ابويه بين المصلحة العامة والاسترزاق…

بقلم : طه السعدوني.

إن أول ما يتبادر للدهن عندما نتكلم عن العمل الجمعوي هو كلمة جمعية التي تعرف من الناحية القانونية بأنها اتفاق بين شخصين أو أكثر لخدمة أهداف معينة غير توزيع الأرباح، والجمعية في عمقها هي مبادرة لسد فراغ ما والاهتمام بجانب معين همشته الدولة أو لم تطله مجهوداتها، ومصطلح جمعية يوحي بوجود هموم ومشاكل جماعية ينبغي حلها وطموحات وأهداف جماعية ينبغي تحقيقها. ومن منظور آخر تعرف الجمعية بأنها أداة من أدوات الصراع الفكري والاجتماعي لأنها تتخذ من الإنسان محورا لها ومن الأفكار عملة للتداول .

إلا أن المتأمل في واقع العمل الجمعوي بدوار ابويه بعين السبع اليوم يدرك أنه يعيش انحرافات كثيرة عن تعريفه ومفهومه وعن وظائفه وخصوصياته، وإذا ما استثنينا قلة قليلة من المناضلات و المناضلين الجمعويين الحقيقيين الذين ينشطون في هذا المجال بكل نزاهة وتفان ونكران للذات ويعطون لهذا العمل أكثر مما يأخذون منه، فإن البقية الباقية تعتبر العمل الجمعوي مجالا للاسترزاق، وتتخذه مطية لتحقيق أهداف وطموحات شخصية على حساب المصلحة العامة وانتظارات الشباب والطفولة والمرأة وقضايا التنمية بكل أبعادها في هذه الرقعة الصفيحية المعزولة .

إن العمل الجمعوي بدوار ابويه بعين السبع الذي يعرف تواجد عدد مهم من الجمعيات يعاني من ظاهرة الاستنساخ والتفريخ الذي يراد به تمييع المشهد الجمعوي وخلط الحابل بالنابل والصالح بالطالح من أجل إفراغه من مضمونه و جوهره و أهدافه و مراميه النبيلة، بعد أن بات تأسيس جمعية أسهل من إضرام النار في كومة تبن، فكم من جمعية تأسست بإيعاز من مسؤولين محسوبين على السلطات المحلية والإقليمية والمجالس المنتخبة لخدمة أهداف معينة قد يكون التضييق على جمعية أخرى جادة من أجل محاصرتها وحرمانها من حقها المشروع في الدعم و المال العام أحد هذه الأهداف غير المعلنة.

هذا و يعيش العمل الجمعوي ببلادنا أزمة مرتبطة بالأزمة التي يعرفها العمل السياسي، ولذلك فلا غرابة أن نجد عددا من جمعيات دوار ابويه بعين السبع تشكل أذرعا وامتدادات لأحزاب سياسية تستغلها وتوظفها خلال حملاتها الانتخابية ومعاركها الكبرى، تدخلها في مرحلة السكون والركود والجمود وتغرقها في سبات عميق و تطلب منها متى شاءت الاستيقاظ من النوم وفعل شيء ما من باب رفع العتاب وتقديم شهادة البقاء على قيد الحياة للسكان والمواطنين، أو القيام بنشاط ما تطبيلا وتهليلا لإنجاز حزبي (كتوزيع المساعدات الغدائية و الأدوات المدرسية و قسائم الشراء…)، وهذا أخطر مظهر من مظاهر انحرافات الحركة الجمعوية وهو الانتماء السياسي والخضوع للجاذبية الحزبية هذا دون الحديث عن تفشي روح التجارة…

و على الرغم من كون العمل الجمعوي عملا تطوعيا لخدمة الصالح العام، فإن البعض مع الأسف حولوه إلى مجال للاسترزاق وكسب القوت اليومي، فهناك من يتاجرون في مقاعد المخيمات الصيفية للأطفال و ملفات التداريب التكوينية الخاصة بهذه المجال و هناك من يتاجرون في هموم ومآسي الفقراء و ذوي الاحتياجات الخاصة، وهناك من يتاجرون في قضايا التنمية والمرأة معتمدين على أساليب وممارسات بشعة بعيدة كل البعد عن التنمية الحقيقية والتنشيط السوسيو- ثقافي .

ختاما يجب على جميع المتدخلين في هذا المجال الحد مع كل أشكال الاسترزاق و استنزاف الميزانيات و المنح المخصصة للجمعيات حيت يجب إعادة النظر في طرق صرفها لهذا الصنف من الجمعيات و رؤسائها الذين يقومون بكل شيء بمفردهم، وفق شروط وضوابط صارمة و وفق دفتر تحملات واضح ومعقول ومتابعة بعدية و محاسبة مالية وأدبية و أخلاقية للجمعيات و مكاتبها التنفيذية حتى نرتقي بالعمل الجمعوي الذي يشكل مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المدني وميدانا لتحقيق الطموحات في التغيير و الارتقاء الاجتماعيين، ومجالا لتعلم وممارسة الديمقراطية من خلال الانخراط في التعددية داخل المجتمع ومعايشة مجموعة من الفوارق الفكرية واللغوية والسيكولوجية والأيديولوجية والاحتكاك بها، الأمر الذي يعلمنا قبول التعددية وقبول الآخر بكل خصوصياته ومواصفاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى