الرأي

رحيل المجاهد والسياسي سي عبد الرحمان اليوسفي

بقلم : محمود شاكر

كان لي شرف معاصرة رجل دولة من طينة الكبار، دافع بشراسة خلال فترة ممارسته السياسية عن الديمقراطية وعن تماسك المغرب ؛ آنذاك كان من الوجوه السياسية الحاضرة بقوة في المشهد السياسي المغربي ولا زال إلى أن وافته المنية صباح اليوم الجمعة 29 ماي 2020 عن عمر يناهز 96 سنة في إحدى مصحات مدينة الدار البيضاء .

إنه الوزير الأول السابق السيد عبد الرحمان اليوسفي، ويعتبر المرحوم الذي كان قيد حياته ذاكرة المغرب السياسي الحديث والمعاصر .
آنذاك كتب عنه الكثير وعلى الخصوص كونه كان من المعارضين الأوائل بالعالم العربي الذي شارك في السلطة، حيث استطاع قيادة حكومة التناوب بين سنتي 1998 و 2002 وهي نفس الفترة التي صادفت انتقال الحكم إلى الملك محمد السادس على إثر وفاة والده الحسن الثاني سنة 1999 .

فمنذ أن تولى قياد حزب الإتحاد الإشتراكي مطلع التسعينات وهو يطمح لتحقيق انتقال ديمقراطي بنكهة مغربية ؛ وقد خاض العديد من المفاوضات حينها مع المغفور له الملك الحسن الثاني أسفرت عن توليه حقيبة الوزير الأول في حكومة التناوب التوافقي .

هذه التجربة التي كان يعول من خلالها على الإنتقال الديمقراطي بالمغرب نحو نظام أقرب للملكية البرلمانية يتم تعيين الوزير الأول من الحزب الفائز بالإنتخابات مع صلاحيات واسعة للحكومة واجهتها ما أسماه رحمه الله ب “جيوب مقاومة التغيير” .

كما واجه حملة قوية من التيار الإسلامي ضد مشروعه لتحديث مدونة الأسرة وتعزيز حقوق المرأة، بالإضافة إلى الصراعات داخل حزبه أضعفته فيما بعد ؛ ليقوم الملك محمد السادس فيما بعد بتعيين وزير أول آخر هو السيد ادريس جطو بالرغم من فوز حزب الإتحاد الإشتراكي بانتخابات 2002 . بعدها بعام أعلن عبد الرحمان اليوسفي استقالته من الحزب ووضع حد لمسيرته السياسية .

خلال مطالعتي لكل ما كتب عن حياة المجاهد عبد الرحمان اليوسفي أن علاقته بالنظام غلب عليها طابع المواجهة على مدى أربعة عقود، حيث حكم عليه بالإعدام فيما سمي لاحقاً بسنوات الرصاص .

وارتبط اسمه بتأسيس أولى النقابات العمالية بالدار البيضاء خلال الأربعينيات من القرن الماضي، حيث بدأ حياته السياسية في حزب الإستقلال أهم أحزاب الحركة الوطنية بالمغرب آنذاك .

غداة الإستقلال عمل محامياً ثم تولى رئاسة صحيفة “التحرير” بعدما شارك في تأسيس حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 ثم من بعده حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية .

عاش في المنفى منذ سنة 1965 إلى 1981 تولى خلالها مسؤولية الإشراف على العلاقات الخارجية للحزب، خلال تلك الفترة التي تخللتها محاولات تمرد مسلح مجهضة، غير أنه لم يكن مسؤولاً مباشرة عن أي منها، بحسب عدة شهادات .
حيث ساهم في تبني الحزب خيار النضال الديمقراطي، متخليا عن أي خيار آخر سنة 1975 .

كما اشتهر عبد الرحمان اليوسفي أيضا بدوره في الأممية الاشتراكية وفي الدفاع عن حقوق الإنسان مشاركاً في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان كذلك مدافعاً عن المساواة بين الجنسين.

وحظي في السنوات الأخيرة بتكريم من الملك محمد السادس الذي دشن في 2016 شارعا باسمه في مدينة طنجة .

تغمد الله الفقيد برحمته الواسعة و أسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان .

إنا لله وإنا إليه راجعون .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى