الرأي

طرد الزوج من بيت الزوجية في القانون المغربي

عائشة العسري

تعتبر الأسرة نواة المجتمع وعموده الفقري، فحمايتها هي حماية للمجتمع ككل، فقوة المجتمع وضعفه يقاس بناء على تماسك الاسرة، وصلاح المجتمع او فساده مرتبط بصلاح الاسرة او فسادها. وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير الذي تحظى به على جميع المستويات.
وتعتبر رابطة الزواج الوسيلة الشرعية والقانونية الوحيدة لإنشاء أسرة. وكما هو معلوم فالحياة الزوجية عموما لا تكاد تخلو من الخلافات والنزاعات بين الزوجين التي قد تتصاعد وتتأجج في كثير من الأحيان حتى يصل الأمر الى طرد أحدالزوجين من بيت الزوجية. وتعتبر الزوجة اكثرعرضة لهذا الخطر وهذا يتضح من خلال الحالات الواقعية داخل المجتمع، وذلك راجع الى الهيمنة الذكورية في مجتمعنا. ومن بين المشاهد القاسية التي قد صادفها الكثير منا والتي تتكرر بشكل يومي في محيطنا هو ذاك المتعلق بزوجات يحملن اطفالا قد تم طردهن من بيت الزوجية وفي أحيان كثيرة لا يتوفرن على ملجأ اخر يلتجئن إليه.
فكيف عالج المشرع المغربي هذه الوضعية؟
وماهي الحماية القانونية التي سنها للزوج المتضرر؟
للإجابة على هذه التساؤلات سنقسم هذا المقال
الى فقرتين وذلك كمايلي:
الفقرة الأولى: طرد الزوج من بيت الزوجية في إطار مدونة الاسرة.
الفقرة الثانية: تجريم طرد الزوج من بيت الزوجية.
الفقرة الاولى:طرد الزوج من بيت الزوجية في إطار مدونة الأسرة.
تنص الماده 53 من مدونة الأسرة على ما يلي:
» إذا قام أحد الزوجين باخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر تدخلت النيابة العامة من اجل إرجاع المطرود الى بيت الزوجية حالا مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه ووحمايته.»
وتعتبر هذه المادة من أهم المستجدات التي جاءت بها مدونة الاسرة والتي لم يكن منصوصا عليها في ظل قانون الاحوال الشخصية القديم، حيث كان الزوج المطرود يعاني من طول المساطر وربما التشرد والضياع إلى حين النظر في طلب ارجاعه أمام المحاكم. فجاءت المادة 53 من مدونة الاسرة في إطار سياق الضمانات التي منحها المشرع بغاية التصدي لمظاهر العنف الأسري الذي قد يمارسه أحد الزوجين على الآخر.
ومن خلال مضمون المادة 53 أعلاه نستنتج ان الزوج المطرود يمكنه التوجه للنيابة العامة باعتبارها صاحبة الاختصاص في التدخل من أجل إرجاعه لبيت الزوجية، وقد أسند اليها المشرع هذا الاختصاص في اطار تعزيز دورها الجديد ضمن قواعد مدونة الأسرة، حيث تم توسيع مجالات تدخلها و الأدوارالمنوطة بها.
غير أن تدخل النيابة العامة يجب ان يتسم بالحكمة والحذر والليونة وان لا يكون بشكل ميكانيكي جاف وذلك سعيا لتهدئة الأمور بين الزوجين وتفادي تأجيج النزاع بينهما، اعتبارا ان الغاية الأسمى هي الحفاظ على استقرار الأسرة.
وما يؤاخذ على هذا الفصل هو ربط الطرد من بيت الزوجية بعدم وجود مبرر، فتثار صعوبة بحث النيابة العامة في سبب الطرد ما إن كان مبررا او غير مبرر وهي مقيدة في نفس الوقت بشرط الفورية فتدخلها يجب ان يكون مستعجلا وآنيا. كما أن المشرع لم يبين المقصود بالسبب المبرر ولم يعط امثلة عليه فيبقى بذلك للنيابة العامة في إطارسلطة الملاءمة الحق في تقدير الطرد ماإن كان مبررا اولا.
الفقرة الثانية: تجريم طرد الزوج من بيت الزوجية.
أمام ما أبانت عليه المادة 53 من مدونة الاسرة من قصور في الحماية، تدخل المشرع وادخل تعديلات بمقتضى القانون103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي دخل حيز التنفيذ في 13 شتنبر 2018 وادخل تعديلات على القانون الجنائي المغربي.
حيث نص في الفصل 1_480 منه على مايلي:” يعاقب بالحبس من شهر واحد الى ثلاثة اشهر وغرامة من 2000 درهم الى 5000 درهم عن الطرد من بيت الزوجية او الامتناع عن ارجاع الزوج المطرود من بيت الزوجية وفقا لما هو منصوص عليه في المادة 53 من مدونة الاسرة وتضاعف العقوبة في حالة العود.“
فيكون المشرع بذلك قد جرم فعل طرد الزوج من بيت الزوجية وفعل الامتناع عن إرجاع الزوج لبيت الزوجية اي أننا امام جريمة ايجابية يتكون عنصرها المادي من فعل ايجابي يتمثل في الطرد، ثم جريمة سلبية يتكون ركنها المادي من فعل سلبي يتمثل في الامتناع عن إلارجاع لبيت الزوجية. وساوى بين الفعلين في العقوبة.
وفي نظرنا فان صياغة هذا الفصل لم تكن موفقة فطرد الزوج من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاعه فعلان يختلفان من حيث خطورتهما، ذلك أن طرد الزوج من بيت الزوجية قد يحصل في حالة تصاعد نزاع بين الزوجين و كما ذكرنا أعلاه فالحياة الزوجية لا تخلو من الخلافات و يمكن أن يكتفى بتدخل النيابة العامة من أجل إرجاع الزوج دون تجريم الفعل، أما الإمتناع عن إرجاع الزوج لبيت الزوجية فهو يتضمن فعل الطرد في مرحلة أولى بالإضافة إلى التعنت و الإصرار على هذا الطرد. و بالتالي كان الأجدر على المشرع إستعمال أداة و” و“ ليس” أو“ فيعاقب بذلك على فعل الطرد من بيت الزوجية بعد إقترانه بالإمتناع عن الإرجاع.
و يلاحظ أيضا أن المشرع لم يحصر صفة الفاعل في الزوج، ففعل الطرد من بيت الزوجبة مجرم أيا كان الفاعل و ليس فقط بين الأزواج. وهذا نلمسه في الصورة التي يسكن فيها الزوجان في بيت عائلة الزوج فيقوم أحد أبوي الزوج أو إخوته بطرد الزوجة فالفاعل يقع تحت طائلة الفصل أعلاه.
أما بخصوص المقصود ببيت الزوجية فالمشرع لم يعرفه و ترك بذلك الأمر للفقه و القضاء، و عموما فبيت الزوجية أو عش الزوجية – كما يطلق عليه البعض- هو المكان الذي يتخده الزوجان للعيش فيه على سبيل الإعتياد سواء أكان مستأجرا أو مملوكا لأحد الزوجين أو لكلاهما.
ويرى البعض ان المنازعات الأسرية لها خصوصياتها ويمكن معالجتها بوسائل بعيدة عن التجريم والعقاب، وأن مسألة الإجبار على الإرجاع لبيت الزوجية ليست فعالة وسليمة مادام ان أحد الزوجين لا يرغب في مشاركة الآخر حياته تحت سقف واحد، وبالتالي فلا يمكن إجباره قهرا وجبرا على قبول الاخر.
غير اننا نرى أن عدم تقبل أحد الزوجين للآخر لا يعطيه أبدا الحق في طرده من بيت الزوجية فهذا الفعل ينطوي على تعريض الزوج المطرود و خاصة الزوجة لأنها المعرضة بنسبة أكثر للطرد من بيت الزوجية لأخطار جمة قد لا تحمد عقباها كالضياع و التشرد و مخاطر الشارع… ولهذا وجب على كل من الزوجين تمكين الآخر من بيت الزوجية رغم استحالة التعايش بينهما إلى حين بت المحكمة في طلب الطلاق.
اما من الناحية العملية فالزوجة التي تعرضت للطرد من بيت الزوجية ليس عليها إلا الاتجاه نحو النيابة العامة التي تحيلها على خلية مختصة لاستقبالها والاستماع لها، ثم مرافقتها إلى بيت الزوجية بوجود رجال الشرطة ويفرض على الزوج إعادة زوجتة إلى بيتها، وفي حالة امتناعه عن إرجاعها يتم تحرير محضر بذلك ومتابعة الزوج.
واخيرا وجب تعزيز وتقوية مساطر الصلح والتسوية الودية بين الزوجين حفاظا على تماسك واستقرار الأسرة المغربية، واعتماد خلايا من المساعدين الاجتماعيين الذين يعملون على مساندة وترشيد الزوجين خصوصا في المرحلة الموالية لإرجاع الزوجة بعد طردها إلى بيت الزوجية ففي كثير من الأحوال قد تكون مهددة لتعرضها للعنف وسوء المعاملة بعد إرجاعها جبرا على الزوج. كما أن هذه المساعدات الاجتماعية قد يكون لها دور فعال في تقليص حالات اللجوء الى الطلاق، فكثيرة هي العلاقات التي تحتاج فقط بعض التوعية والارشاد للوصول الى الاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى