بيبل

الحلقة 03: كيف كانت ردة فعل الفتى” محمود” اتجاه “خاله” وما قصة ” الحمار الأشهب” ..؟

لَهِيبُ اٰلْاِنْصِرَامِ
الحلقة الثالثة
“عثمان العماري”

بعدما نَكَثَ خال اليتامى عهده بتعليم ابن أخته “مْحْمُودْ” حِرفة البناء، شَمَّرَ اليتيم على ساعديه وعزم أن يشتغل تاجرا في الأسواق الأسبوعية.
 لكن من أين سيأتيه رأس مال التجارة وهو الذي لا يملك درهما واحدا ؟!

 جاء يوم السبت، فاستيقظ “مْحْمُود” قبيل الفجر، ووضع على كتفه الجلباب اٰلدَّرْعَاءَ التي حاكتها و خاطتها له أمه، ثم غادر بيت ” اٰلْحَنْدُورِ” متسللا على أطراف قدميه كي لا يوقظ أحدا، ثم توجه تِلْقَاءَ مَرْبِطِ حمارهم الأشهب العجوز، الذي لم يكن لهم غيره يسقون على ظهره الماء من بئر “لْعَيْوْجْ”، أو يحملون عليه الحشائش لنعجتهم البيضاء. فركبه وسار به صوب سوق “اٰلسّْبْتْ” بمحاذاة مدينة السّْطَاتْ الذي تباع فيه الخيول، والجمال، والبغال، والحمير. وهناك باع الحمار الأشهب لشيخ ذي لحية بيضاء بخمسين درهما، اشترى بها قالب سكر، وقطعا عديدة من حلوى “فَانِيدْ لْمَڭَ‍انَة”، وأكياسا صغيرة مملوءة ذرة مقلية، فوضع كل ذلك بقب جلبابه اٰلدَّرْعَاءِ، ثم عاد فرحا نحو “شْرْقَاوَةَ” على متن شاحنة “عَبْدْ اٰلْعَاطِي”.
وعلی أعتاب منزلهم وجد أمه تنتظره وَجِلَةً، فسألته:
– فِينْ كْنْتِ أَوْلِيدِي ؟ مْنْ اٰلصّْبَاحْ وْحْنَا نْبْرِّيوْ عْلِيكْ ؟
فأجابها متبخترا:
– فَرْحِي يَا مِّيمْتِي وْلْدْكْ وْلَّا رَاجْلْ.
ثم سحب من قُبِّ جلبابه قالب السكر، وبعضا من قطع الحلوى، وكيس ذرة مقلية، ومدهم لأمه قائلا:
-ذُوڭِي لِيكْ آ مِّيمْتِي لْبَارُوكْ دْيَالْ اٰلسُّوقْ.
ثم نادى على إخوته الصغار أيضا، وشرع يوزع عليهم أكياس الذرة المقلية، وقطع “فَانِيدْ لْمَڭَ‍انَة” :
-فسألته أمه مندهشة:
– تَا إِينَا سُوقْ كْنْتِ فِيهْ ؟ وْمْنِينْ جَاوْكْ لْفْلُوسْ بَاشْ شْرِيتِ هَادْشِّي؟
-رَانِي وْلِّيتْ بْيَّاعْ وْ شْرَّايْ أَمِّيمْتِي؟
– سَعْدِي سَعْدِي بْوْلِيدِي مْحْمُودْ وْ لاَّ بْيَّاعْ وْ شْرِّايْ.
ثم زغردت مفتخرة بفلذة كبدها، لكن سرعان ما تذكرت مرة أخرى أنه لايملك رأس مال للبيع والشراء، فكفت عن زغاريدها، وأعادت سؤاله:
– ڭُولْ لِيَّ أَكْبِيدْتِي، مْنِينْ جَاوْكْ  لْفْلُوسْ دْيَالْ الْبِيعْ
 وْ اٰلشّْرَا ؟ يَاكْمَا خْوْنْتِيهُمْ لْشِي حَدّْ مْنْ اٰلدُّوَّارْ؟ .
-لَاوَاهْ أَمِّيمْتُي لَاواهْ، وْلْدْكْ مَايْدِيرْهَاشْ.
– وْمنِينْ جْبْتِي لْفْلُوسْ آ وْلِيدِي ؟!
-بْعْتْ اٰلْحْمَارْ أَ مِّيمْتِي.
– بْعْتِ  لحْمَارْ ؟ إِينَا حْمَارْ؟!
– حْمَارْنَا لْشْهَبْ آ مِّي.
-لْعَامْ ؟ حْمَارْنَا لْشْهَبْ ؟!
-هُوَّ أَمِّيمْتِي هُوَّ.

فوضعت يدها على رأسها مصدومة، وشرعت تردد:
– فَرْحِي وْسَعْدِي بْوْلِيدْكْ يَا حْلِيمَة. رَاهْ بَاعْ اٰلْحْمَارْ وْخَلَّاكْ بْلَا بْهِيمَة.
ثم استسلمت للأمر الواقع دون أن توبخ ابنها أو تضربه.

انتصف الليل، فهَبَّتْ “لَالَّة حْلِيمَة” من نومها فزعة، بعد أن أيقظها قرع قوي مريب على باب منزلها القصديري، فغلقت باب بيت “اٰلْحَنْدُورِ” الخشبي  على صغارها الغارقين في نومهم، ثم حملت مِدْرَاةً مسنونة الأسنان، وخرجت بخطوات متثاقلة كي ترى مصدر هذا الصوت الغريب، فنادت من خلف باب القصدير مفخمة صوتها:
– شْكُونْ ؟
لم يجبها أحد، فأعادت النداء:
– يَا تَّا شْكُونْ؟
انعدمت الإجابة مرة أخرى، و الصوت المريب لم يتوقف.
وفجأة استيقظ ابنها الأوسط “مْحَمّْدْ” من نومه، حاملا هراوة مدببة الرأس، فقصد الباب جاريا، ثم جعل أمه خلف ظهره، وشرع يفتح الباب بلطف، فوقعت عيناه على حمارهم الأشهب ينطح الباب برأسه، ويحاول قرعه بحوافره، وما إن فتح  له الباب على مصراعيه حتى قصد مربطه جاريا ناهقا.

استغربت “لَالَّة حْلِيمَة” من عودة الحمار مرة أخرى، وهو الذي باعه ابنها بسوق بعيد عن “شْرْقَاوَةَ”، ثم عادت إلى صغارها تحمد الله ، فوجدت ابنها “مْحْمُودْ” منزويا في ركن البيت يرتعد خائفا، مغمضا عينه، مدندنا:
-وَا نَارِي اٰلشُّفَارَة جَاوْ، اٰلشُّفَّارَة جَاوْ.
فحضنته و هدأت من روعه:
– بْسْمْلَّاهْ عْلِيكْ أَوْلِيدِي، تَّا فِي عَارْ اٰللهْ وْ اٰلنّْبِي رَسُولْ اٰلله. هَادَاكْ غِي لْحْمَارْ لْشْهبْ تْوَحّْشْكْ وْرْجْعْ يُشُوفْكْ.

 فانفلت من حضنها، وقصد مربط الحمار مسرعا وهو يهتف فرحا:
– يَا حْلِيلِّي يَا حْلِيلِّي أَلْفْ رْيَالْ ضَمْنْتْ تَانِي !
و  من سوء حظه أن أخاه الأصغر مْحَمّْدْ سمعه حين كان بجانب الحمار يربت على رأسه، فحذره من مغبة محاولة بيعه مرة أخرى.

يتبع

-ملاحظة لغوية:
 لفظة “دَرْعَاء” عربية فصيحة، تعني النعجة التي اِبْيَضَّ صَدْرُهَا وَنَحْرُهَا، و اِسْوَدَّ فخذها. وقد استعار جدودنا الأوائل بمنطقة الشاوية هذه الصفة، وأطلقوها أيضا على الجلباب المصنوعة من صوف النعجة اٰلدَّرْعَاءِ. بيد أنهم ينطقونها محذوفة الهمزة : ” دَّرْعَا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى