الحلقة 04: تُرى هل سَيفْلِح ” محمود ” في تسويق “البطانية” وما قصة «دَادَا عْبُوشْ» التي ظهرت فجأة ..؟

لَهِيبُ اٰلْاِنْصِرَامِ
الحلقة الرابعة/ “عثمان العماري”
…مَا إن انتصف فصل الشتاء المقرور، حتى أنهت “لَالَّةْ حْلِيمْةْ” نَسْجَ بَطَّانِيَّةٍ صوفية حمراء تتوسطها خطوط بيضاء رقيقة، ثم طلبت من ابنها “مْحْمُودْ” أن يذهب بها إلى سوق جمعة “أَوْلَادْ عَبُّو” كي يبيعها، وأوصته أن لا يقبل بأقل من خمسين درهما ثمنا لها، وأن يشتري لحما و خضرا و فواكه وذرة مقلية. لكن أخاه “مْحَمّْدْ” هو من أراد الذهاب إلى السوق بدلا عنه، فقال لأمهما:
-دعيني أذهبُ -أنا- مكانَهُ يا أمي.
-حينما يَشْتَدُّ عُودُكَ مِثْلهُ سَأرسلكَ يا بني. أعدك بذلك.
-دعيني أرافقهُ على الأقل إذًا.
-لابني. سترافقهُ خالتك “عْبُوشْ” فهي خبيرة بالأسواق منذ مات زوجها “سِّي عْبَّاسْ”. أما أنت فلا تزال صغيرا، وأخشى عليك الضياع بسوق الجمعة، فهو كبير جدا.
-حسنا يا أمِّي. لكن لِمَ لا تذهبينَ أنتِ مكان “مْحْمُودْ” ؟ فقد يرتكبُ حماقة أخرى كحماقة بيعه حمارنا الأشهب.
-إن نساء شرقاوة لا يذهبن إلى السوق يابني. أزواجهنَّ من يذهبون إليه وحدهم.
-لكن أبي مات، وصرتِ الآن قادرة علی الذهاب إليه مثلما تفعل “دَادَا عْبُوشْ”.
-لابني. نحن – معشرَ الشرقاوياتِ الحرائر – لا نُكلم الرجال من غير مَحَارِمِنَا أو حتى نراهم. فكيف نختلط بهم في أسواق اٰلهَرَجِ وَ اٰلْمَرَجِ ؟! طَوَال خَمْسَ عَشْرَةَ سنة عشتها مع المرحوم أبيك، لم أغادر “شْرْقَاوَة” إلى أي مكان آخر. لا أريد أن أَشُّدَ عن هذه العادة. سأظل محافظة عليها حتى ألحق به.
-لا تقولي هذا يا أمي. أطال الله عمرك. فأنت لا تزالين شابة.
– آهٍ يَا بنيَّ آهٍ. لقدْ أحسست أنني شِخْتُ يومَ مات أبوك رحمه الله.
-رحمه اللهُ. قولي لي يا أمي، ما الذي يجبر “دَادَا عْبُوشْ” على الذهاب إلى السوق مخالفة عادة الشرقاويات ؟
-تلك قصة طويلة سأقصها عليك لاحقا. هيا اذهب الآن إلى فراشك كي تخلد للنوم يافلذة كبدي.
فانصرفَ إلى مضجعه وهو يقول:
– متى أكبرُ و أذهب إلى السوق أنا أيضا ؟
سمعه أخوه “مْحْمُودْ”، فأجابه:
-حينما تصبح عاقلا مثلي يا ابن أمي !
فرد عليه متهكما:
-ومن أين يأتي مثلك العقل يا بائع الحمار الأشهب ؟!
وفي غبش الصباح، استيقظ “مْحْمُودْ”، ثم ارتدى الجلبابَ اٰلدَّرْعَاءَ، وانتعل الخف التي صنعتها له أمه من نبات “اٰلدُّومْ”، ثم حمل القفة التي صنعتها أيضا من نبات “اٰلسِّمَارِ”، وحمل أيضا على كتفه كيس “الشّْمْرْتْلْ” الذي توجد بها اٰلْبطَّانِيَّةُ الحمراء، ثم سار نحو الطريق التي ستمر منها حافلة “لْحْلَّاوِي” المتوجهة إلى سوق الجمعة، التي تقل على متنها سكان “شْرْقَاوَة” والمداشر المجاورة لها الراغبين في التسوق.
وفي منتصف الطريق، رأى خالته ” دَادَا عْبُوشْ” تمشي أمامه، بعكاز خشبي بني، مُلتحفة بِإِزَارٍ أَبْيَضَ، مُسْدِلَةً على وجهها نقابا أَسْوَدَ لا تظهر منها إلا عيناها، حاملة فَرُّوجًا صغيرا بلديا، ذا لون أحمر، مُكَتَّفَ الساقين، وسَلَّة قَصَبِيَّة صغيرة مملوءة تبن شعيرٍ عليه عشرون بيضة بلدية.
لَهِيبُ اٰلاِنْصِرَامِ
الحلقة 05
“عثمان العماري”
قضى الصغير “مْحَمّْدْ” لَيْلَهُ ساهدا، يفكر في السبب الذي جعل خالته “دَادَا عْبُوشْ” تذهب إلى الأسواق الأسبوعية مُخالفة عادة النساء الشرقاويات..
فَأبْكَرَ بعد لحظاتٍ من توجه أخيه “مْحْمُودْ” نحو السوق، ووجد أمَّه “لَالَّة حْلِيمَةْ” عائدة من “الْكُشِّينَةِ” تحمل قِدْرًا طينيا يسمى “لْحْمَّاسْ”، طهت فيه أكلة “بْرْكُوكْشْ” على نار “اٰلْكَانُونِ”. فأَخْوَتْ نصفه بقصعة طينية، ثم شرعت وابنَهَا يَغْرِفَانِ منه بِمَغَارِفَ خشبيةٍ صغيرةٍ.
وحين انتهيا من أكله، دعا “مْحَمّْدْ” أمه أن تقص عليه حكاية “دَادَا عْبُوشْ”، فقد وعدته البارحة أن تخبره إياها، فردت عليه:
– أَلَمْ تَسْتَطِعْ عليها صبرًا حتى تطلعَ الشمسُ يابني ؟
– لا يا أمي. لن يهنأَ بالي إلا حين أعرفها منك الآن، فَطَوالَ الليل لم يغمضْ لي جفن وأنا أفكر في أمرها.
-حسنا يابني. سأقصُّها عليك الآن.
ثم بسطت له ركبتها، فأسند عليها وجهه، وأخذت تحُكُّ له شعره، ثم شرعت تَقُصُّ عليه حكاية “دَادَا عْبُوشْ” :
كان “سِّي عْبَّاسْ” : زوج خالتكَ “دَادَا عْبُوشْ” رجلا حَادَّ اٰلطَّبْعِ، صَعْبَ اٰلْمِرَاسِ، شَدِيدَ اٰلشَّكِيمَةِ، قاسيا عليها، يمنعها من مغادرة منزلها حتى إلى دار والدها، و لايسمح لها بحضور مناسبة فرح أو قرح. وبالرغم من هذا كله ظلت صابرة عليه.
وحينما مات، أقسمت أن تنتقم منه حتى وهو في قبره، فأصبحت تحضر كل عُرس زواج، أو عقيقةِ وَلِيدٍ، أو خِتَانَةِ طفلٍ. بل صارت تذهب إلى السوق كل أسبوع نِكَايَةً به.
وكانت كلما نوت الذهاب إلى السوق، تتوجه نحو قبره، ثم تقول له ساخرة:
– وَ هَا أَنَا غَادَةَ لْسُّوقْ أَعْبِيبِيسْ. حَرّْبْشْ نُوضْ حْبْسْنِي إِلَى كْتِّي رَاجْلْ !
ثم تَمُدُّ وُسْطَى أَصَابِعِهَا نحو قبره، وتغادره إلى السوق مُتَشَفِّيَةً فيه، متلذذة بانتصارها عليه.
صعد “مْحْمُودْ” و “دَادَا عْبُوشْ” حافلة السوق والدنيا لاتسعه فرحا، فهذه أول مرة يذهب إلى سوق الجمعة، كما أنها المرة الأولى التي يركب فيها حافلة.
وضع الكيس الذي به اٰلْبَطَّانِيَّةُ الحمراء جنبَ السائق،
ثم جلس يمين خالته على مقعدين أمامين. في حين حَطَّتْ “دَادَا عْبُوشْ” سلَّة البيض أمام قدميها برفقٍ، ووضعت اٰلْفَرُّوجَ داخلها بلطف كي لا يتكسر البيض.
انطلقت الحافلة نحو السوق تطوي الأرض طيًّا، ترفعها رافعةٌ وتخفِضها خافضة. أطلَّ “مْحْمُودْ” من خلفِ زجاجها، فأذهله منظر الأشجار الكثيرة اٰلمُصْطَفَّةِ جنبَ الطريق كأنها تسابق الحافلة، فقام من مقعده مذهولا، ونظر إلی ” دَادَا عْبُوشْ”، ثم بدأ يجرها من تَلْبِيبِ إِزَارِهَا الأبيضِ حتى كاد يوقعها. ولولا اتكاؤها على عكازها البنيِّ، لانْكَبَّتْ على وجهها داخل سلَّة البيضِ، ثم قال لها:
-وَاهْ وَاهْ مُّكّْ. شُوفُي شُوفِي يَا دَادَا عْبُوشْ اٰلجَّطِّيوْ كَيْتْسَابْقْ مْعَ لْكَارْ !
فَعَضَّتْ يدهُ من تحت نقابها الأسود، حتى سقط طَقْمُ أَسنانها الاصطناعية. وأمسَكَ “مْحْمُودْ” يَدهُ صائِحًا:
-وَا مِّيمْتِي صُبْعَانِي حْسْكْتْهُمْ لِيَّ !
-سِيرْ اللهْ يْحْسْكْ لِيكْ اٰلنّْوَاضْرْ يَا بْلْهَايْشْ لَاخُرْ.
ثم أعادت تركيبَ طَقْمَ أسنانها بسرعة. وفجأة وضعتْ يدها داخل “عَبُّونِهَا” خائفةً، وشرعت تتحسس صرة النقود مُرْتَبِكَةً وهي تَهْتِفُ:
– الَّلهْ الَّلهْ عْلِيكْ يَا عْبُوشْ. وْلْدْ خْتْكْ لْكَافْر بْاٌللَّهْ هَرّْسْ لِيكْ اٰلدَّرْقُوشْ وْ بَقْشْشْ لِيكْ لْڭَاشُوشْ.
وحين اطمأنتْ علی سلامة الصُّرّة، بدأتْ تَحُكُّ جُؤْشُوشَهَا كأنها تشكو ألمًا به، وأخذتْ تدعو علی “مْحْمُودْ”:
-سِيرْ يا وْلْدْ خْتِي حْلِيمَة، كِيمَا سْسْتِ لِيَّ لْڭَاشُُوشْ، اللَّهْ يْسُوسْ لِيكْ لْخَنْشُوشْ.
فردَّ عليها:
-وَا تِّي رَاهْ اٰلجَّطِّيوْ كَيْتْسَابْقْ مْعَ لْكَارْ وْتِّي مَا جَايْبَة لْدّْنْيَا خْبَارْ.
– هَا نَانّْكّْ يَا نَانّْكّْ . حَزّْمُونِي وْ رَزّْمُونِي وْلَا تْعَوّْلُوشَايْ عْلِيَّ. سِيرْ أَنَا بْغَيتْ لِيكْ دَقّْةْ بُويَا وْ بُوكْ تْخَبْطْكْ لْڭلْبْ.
– لْعَامْ أَ دَادَا عْبُوشْ ؟
-يْعْطِيكْ ضُرّْ لْعَامْ أَوْلِيدِي.
ثم نَخَسَتْ صدرهُ بعكازها:
– كْحُزْ لْهِيهْ، وْخَلِّينِي نْتْصَنّْتْ لْعْظَامِي.
وَأَرْدَفَتْ:
-اللَّهْ اللَّه عْلِيكْْ يَا حْلِيمَةْ بْنْتْ مِّي، وْلْدْتِي غِي لْخْلَا وْزْدْتِ هَمّْكْ عْلَی هَمِّي.
-ملاحظة:
* اَلْفَرُّوجُ: لفظة عربية فصيحة جمعها فَرَاريجُ.
* “اَلْجُؤْشُوشُ: ” كلمة عربية فصيحة تعني الصَّدر، تقابلها في لغتنا العامية لفظة “ڭَاشُوشْ”.



