الحلقة 10: بعدما وجدوا ” بلغته” بقعر البئر هل تتخيلون كيف أصبح حال ” لالة حليمة” ..؟

الحلقة 10/ لَهِيبُ-اٰلْاِنْصِرِامِ
“عثمان العماري”
تَفَطَّرَ قَلْبُ “لَالَّة حْلِيمَة” حُزْنَا وَ كَدَرًا على هَلَاكِ وَلَدِهَا “مْحَمّْدْ”٬ فقد كانتْ له مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ بِفُؤَادِهَا، وكانتْ ترى فيه صورةَ والدِهِ “سِّي لْمِيرْ”، في حَلَاوَةِ شَمَائِلِهِ، وَرَبَاطَةِ جَأْشِهِ، وَبَهَاءِ مُحَيَّاهُ، وكانتْ تَتَوَسَّمُ فيهِ كلِّ الخيرِ. لَكِنَّ اٰلرَّدى رَمَّلَهَا وَ أَثْكَلَهَا بِاٰنْصِرَامِهِمَا عَنْها معا مِثْلمَا تَنْصَرِمُ اٰلأَعِقَّةُ تِبَاعًا مِنْ عِقْدِهَا اٰلْمُتَقَطِّعِ .
والَّذي حزَّ فِي نفسِهَا أكثر وزادَ من ضَيْمِهَا أنها لن ترى جُثْمَانَ فِلذةِ كبدِهَا مثلما رأتْ جثمانَ أبيه، ولن ترسمَ قبلة الوداع على جبينه الباردِ، ولن يَكْتَحِلَ نَاظِرَاهَا برؤيتهِ محمولاً على النَّعْشِ نَحْوَ اٰلَّلحْدِ وهِي تَتْبَعُهُ مُزَغْرِدَةً٬ حَامِلَةً بِيُمْنَاهَا قَصَبَةً عَلی رَأْسِهَا عَلَمٌ أَبْيَضُ وَنَعْنَاع أَخْضَرُ٬ لأَِنَّهُ مَاتَ عَازِبًا.
صحيح أن فؤادَهَا سَيْعْتَصِرُ أَلمًا وكَمَدًا حين تری جُثْمَانَهُ يُوَارَى اٰلثَّرَى. بَيْدَ أنَّهُ لن يكونَ أَشَدَّ إِيلَامًا لها من عدمِ رؤيته أبدًا. على الأقلِّ سَتَزُورَ قبرَهُ وتسقي ثَرَاهُ بدمعِ مُقْلَتَيْهَا كُلَّمَا اشتاقتْ إليهِ. أينَ ستروزهُ الآنَ وهو الَّذي اٰبْتَلَعَتْهُ غَيَاهِبُ الجُبِّ اٰلْعَمِيقةِ فَأَضْحَی عَدَمًا ؟!
آهٍ عَليكِ يا “لَالَّة حْلِيمَة” ثُمَّ آهٍ ! أهكذا يكونُ قَدَرُكِ؟ أهكذَا يَحْرِقُ لَهِيبُ الاِنْصِرَامِ فؤادَكِ ؟ أهكذا يَكْوِي لَظَاهُ كَبِدَكِ ؟ أيُّ موتٍ هَذَا اٰلَّذِي صَيَّرَكِ لَطِيمَةً وَ أَرْمَلَةً وَ ثَكْلَى؟ أيُّ موتٍ هَذَا اٰلَّذِي تَرَكَ فِيكِ غُصَّةَ اٰلْفِراقِ وَ لَهِيبَ اٰلْاِنْصِرَامِ يا “لَالَّة حْلِيمَة” ؟ أيُّ موتٍ هذا الذي صَنَعَ بكِ كلَّ ذلكِ يَا سيِّدَتِي ؟!.
نَهَضَتْ “لَالَّة حْلِيمَة” بَعْدَمَا وَقَعَتْ مَغْشِيًّا عليها حِينمَا نَعَى لَهَا السَيِّدُ “لْحْسِينِي” غَرَقَ “مْحَمّْدْ” بِجُبِّ “لْعَيْوْجْ”٬ فَجَثَتْ علی رُكْبتيهَا، واحتضنتْ بَلْغَتَهُ الصَّفراءَ، ثمَّ نظرتْ صوبَ اٰلْبِئْرِ اٰلْمَشْؤُومَةِ٬ وشرعتْ ترْثِي وَلَدَها زَاجِلَةً بَاكِيَةً:
هَادَاكْ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمّْدْ زِينْ لْقْوْامْ
غْرَقْ فِي بِيرْ كْحَلْ عَيْوْجْ مَالِيهْ رْسَامْ
هَادَاكْ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمّْدْ مْتْوّْلْ لْكْلَامْ
طَاحْ فِي بِيرْ غَارْڭْ مَا ڭْدّْ عْلِيهْ عُوَّامْ
عْلَاشْ يَا وْلِيدِي سْيّْبْتِ حْبْلْ اٰلّْلجَامْ؟
عْلَاشْ يا حْنِينِي ڭْلْعّْتِ وْتَادْ لْخْيَامْ ؟
هَادَاكَ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمْدّْ شْرِيفْ لْعْمَامْ
مْشَا وْ خَلَّا مِّيمْتُو عَايْشَة فِي اٰلظّْلَامْ
مْشَا وْخْلَّاهَا تْنُوحْ وْتْعَدّْدْ سْنِينْ وْ عْوَامْ
هَادَاكْ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمّْدْ هَازّْ ڭَصْبَةْ لْعْلَامْ
خْلَّا جْمَالْ شْرْقَاوة تْرْغِي فِي كُلّْ خْيَامْ
هَادَاكْ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمّْدْ شْهَبْ لْڭْدَامْ
خْلَّا قْبِيلْتُو هَابْيْةْ لْكْوَانْنْ خَالْيْةْ لْخْيَامْ
هَادَاكْ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمّْدْ فْرْخْ لْحْمَامْ
هْجَرْ وْكَارُ وْ طَارْ فِلْعْلَالِي عَنْدْ خَالْقْ لْرْحَامْ
يَاوْ هَاداكْ هُوَّ وْلِيدِي مْحَمّْدْ زِينْ لْقْوَامْ.
وما إِنْ أَتَمَّتْ “لَالَّة حْلِيمَة” زَجَلَهَا الحَزِينَ، حَتَی عانقتْها أختُها “دَادَا عْبُوشْ” بَاكِيَةً٬ فوَاسَتْهَا فِي رَزِيَّتَهَا وشاركتْها أَحْزانهَا، ثم أَخَذَتْ تَرْثِي حَالَهَا زَاجِلَةً أيْضًا:
اَللهْ اٰللهْ عْلِيكْ يَا بْنْتْ مِّي
شْوْيتِي كْبْدْتِي وْ زْدْتِي هَمِّي
اَللهْ اٰللهْ عْلِيكْ يَا بْنْتْ مِّي
بْكِيتْ لْحَالْكْ بِدْمُوعِي وْ دْمِّي
وَفجأةً لَمْ تُصَدِّقْ “لَالَّةْ حْلِيمَة” عَيْنَيْهَا حِينَ أَبْصَرَتْ وَلَدَهَا……
يتبع



