الحلقة 11: لم تصدق لاَلَّة حْلِيمَة عَيْنَيْهَا حين أبصرت ولدها ” محمود” قرب بئر ” لْعَيْوَجْ”

“عثمان العماري”
لَمْ تُصَدِّقْ “لَالَّةْ حْلِيمَة” عَيْنَيْهَا حِينَ أَبْصَرَتْ وَلَدَهَا قُرْبَ بِئْرِ “لْعَيْوْجْ”، لَكِنَّهُ لمْ يَكُنْ “مْحَمّْدْ”. بَلْ أَخَاهُ “مْحْمُودْ” يُحَاوِلُ أن يَهْبِطَ إلى قعرِ البئرِ وهو ينادي اسمَ أخيهِ. ولولا أنَّ خاله “لْحَاجْ عَبْدْ اٰلسّْلَامْ” أمسكَ بهِ، لسقطَ ببئرِ الشُّؤْمِ مثلما سقط بها أخوهُ. فأنهتْ “لَالَّةْ حْلِيمَة” عناقَ أختها “دَادَا عْبُوشْ”، و هَرَعَتْ نحو “مْحْمُودْ” حَافِيَةَ القدمينُ، ثم عانقتهُ بِشِدَّةٍ ذارفةً دموعًا مِرِيرَةً مِنْ عَينَيْهَا اٰللَّتَيْنِ اٰبْيَضَّتَا مِنْ فَرْطِ اٰلْبُكَاءِ عَلَی أخِيهِ. فخاطَبتْهُ عَاذِلَةً:
-حَرَامٌ عَلَيْكَ يَا وَلَدِي. مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ بِنَفْسِكَ ؟ أَلَمْ يَكْفِكَ أَنَّنِي رُزِئتُ بِفَقْدِ أَخِيكَ ؟ فَلَا تُوجِعْ قَلْبِي بِرَزِيئَتِي فِيكَ أَنْتَ أَيْضًا.
ثم رفعتْ يديهَا إلى اٰلسَّمَاءِ وَ اٰلدمْعُ هَطَّالٌ عَلَی وَجْنَتَيْهَا اٰلذَّابِلَتَيْنِ، مُتَضَرِّعَةً إِلَی خَالِقِ اٰلْأكْوَانِ:
-رُحْمَاكَ يَا رَبِّي رُحْمَاكَ. فَمَا عَادَ هَذَا اٰلْقَلْبُ قَادِرًا عَلَى تَحَمُّلِ نَائِبَةٍ أُخْرَى. فَاٰحْفَظْ مَا تَبَقَّی لِي من أوْلَادٍ٬ وَلَا تُرِنِي فِيهِمْ بَأَسًا يَارَبِّي.
ثم عادتْ جريحةَ اٰلفؤادِ برفقةِ بَنِيهَا إلى منْزِلِهَا كيْ تأخذَ عزَاءَهَا فِي “مْحَمّْدْ”٬ بعدمَا شَبِعَتْ بُكَاءَ وَ نُواحًا عَلی اٰنْصِرَامِهِ. وعادَ معها أهل شرقاوةَ أيضًا مَكْلُومِي اٰلْأَفْئِدَةِ على ضياعِ اٰلفَتَی اٰلشِّرْقَاوِيِّ اٰلْأَشْهَبِ. وحين رفع المؤذن “بوشعيب” أذان الظهر، قصدوا مسجد شرقاوة، وأقاموا به صلاتي الجمعة والغائب على روحه.
وحين أنهوا ذلك، اجتمع حكماء شرقاوة، ووجهاء القبائل المجاورة لها، كي ينظروا ماذا يفعلون في أمر سقوط “محمد” بالبئر؛ فأجمعوا جَمِيعًا على ضرورة أَنْ لَا يَعْرِفَ رِجَالُ الدَّرَكِ بِحَادِثِ سُقُوطِهِ بِها، طَالَمَا أَنَّهُ سَقَطَ زَالِقًا وَلَمْ يُسْقِطْهُ أَحَدٌ٬ كَيْ لَا يَتَّهِمُوا أَبْرِيَاءَ مِنْ أهْلِ قُرَاهُمْ وَمَدَاشِرِهِمْ، وَيَعْتَقِلُوهُمْ ظُلْمًا وَعُدْوانًا، وَيَزُجُّوا بِهِمْ خَلْفَ قُضْبَانِ سِجْنِ “عْلِي مُومْنْ” اٰلْمُهْوِلِ، فَيُفْجِعُوا فِيهِمْ أُمَّهَاتِهِمْ وَزَوْجَاتِهِمْ وَذَوِيهِمْ. كَمَا أمَرَ اٰلْحُكَمَاءُ وَاٰلْوُجَهَاءُ لْمْقَدّْمْ “عْبِيقَة” أنْ يُذِيعَ خُلَاصَةَ اٰجْتِمَاعِهِمْ لَدَى سَاكِنَةِ شَرْقَاوَةَ وَاٰلْقَبَائِلِ اٰلْمُتَاخِمَةِ لَهَا؛ وَحَذَّرُوهُ مِنْ مَغَبَّةِ خِيَانَتِهِمْ، فَوَعَدَهُمْ أَنْ يُنَفِّذَ كُلَّ مَا أَمَرُوهُ بِهِ.
حَلَّ الليّْلُ، فشرعتْ وفودُ المعزين تتقَاطَرَ على منزلِ اٰلْفقيدِ أفواجًا من كلِّ “حَافَاتِ شْرْقَاوَة “، حَامِلِينَ فوقَ رُؤُوسِهمْ قَصْعَاتِ اٰلْكُسْكُسِ. ثُمَّ عادوا إلى ديارهمِ بعدمَا أنْهَوْا عَزَاءَهُم فِيه، تاركينَ أمَّهُ غارقةً في بحرِ هُمُومِهَا وَأحزانِهَا. فَأَنَامتْ أَولادَهَا الثلاثةَ، وَ خَرَجَتْ نحوَ مقبرةِ شرقاوَةَ حاملةً فرْدةَ بلغةِ “مْحَمّْدْ” اٰليُسْرَی، وَعَمَامَتَهُ الشرقاويَّةَ اٰلْصَّفْرَاءَ مَلْفُوفَتَيْنِ في ثوبٍ أبيضَ، ثُمَّ حفرتْ لهما لَحْدًا صَغِيرًا قرب قبرِ بَعْلِهَا “سِّي لْمِيرْ”، ونهلتْ عليهمَا الترابَ، ثمَّ جَثَمَتْ عَلَی ثَرَی قَبْرِ “سِّي لْمِيرْ”٬ وأخذتْ تنَاجيِهِ شَاكِيةً باكيةً آسِفَةً:
سَامِحْنِي يَا سِيدْ لْمِيرْ لِأَنَّنِي لَمْ أُحَافِظْ لَكَ عَلَى اٰلْأَمَانَةِ. فَقَدْ اٰنْفَلَتَ مِنِّي اٰلْيَوْمَ عَقِيقٌُ مِنْ أَعِقَّةِ اٰلْعِقْدِ اٰلْأَرْبَعَةِ اٰلَّذِي طَوَّقْتَ بِهِ عُنُقِي. اَلْيَوْمَ لَحِقَ بِكَ شَبِيهُكَ “مْحَمّْدْ” اٰلذِّي سَمَّيْتَهُ بِاٰسْمِ أَبِيكَ. اَلْيَوْمَ اٰخْتَارَ جِوَارَ رَبِّهِ وَ جِوَارَكَ أَيْضًا٬ فَاٰعْتَنِ بِهِ مِثْلَمَا كُنْتَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ اٰلْحَيَاةِ اٰلْقَاسِيَةِ اٰلَّتِي كَسَرَتْ ظَهْرِي بِاٰنْصِرَامِكَ عَنَّا. دَثِّرْهُ مِنْ بَرْدِ اٰلَّليَالِي اٰلْمَقْرُورِةِ، واٰسْقِهِ مَاءً فُرَاتًا فِي حَرِّ اٰلْهَجِيرَةِ.
ثُمَّ تَوَسَّدَّتْ قَبْرَهُ وَهِي تَقولُ له:
-سَامِحْنِي يَا سِيدِي لْمِيرْ لِأَنَّ اٰبْنَنَا ضَاعَ بِظُلْمَاتِ بِئْرِ “لْعَيْوْجْ”٬ وَلَا أَعلمُ أَيَّ أَرْضٍ مِنَ اٰلْأَرَضِينِ اٰلسَّبْعَةِ تَحْتَضِنُهُ تَحْتَ تُرَابِهَا الآنَ ؟
فَنَاداهَا من خلفِهَا صَوْتُ حَنُونٌ:
-أَنَا هُنَا فَوْقَ هَذِهِ اٰلْأَرْضِ اٰلَّتِي تَمْشِي عَلَيْهَا قَدَمَاكِ اٰلشَّرِيفَتَانِ يَا أُمَّاهُ.
فَنَبَسَتْ مَصْدُومَةً: “هَذَا صَوْتُ مْحَمّْدْ وْلِيدِي” !
ثم التفتتْ إليه كي تتيقن من وجودهِ، فوقعتْ عيناها عليهِ سالِمًا مُعَافًى، يرتدي جلبابَ أبيهِ البيضاءَ، وفردةَ بلغتهِ الصفراء اٰلْيُمنى، فسألْتهُ مذهولةً:
-أينَ كنتَ يا ولدِي ؟ لقد بَكَيْتُ مَوتَكَ بدموعٍ مِنْ دَمٍ حتَّى كِدْتُ أصِيرُ ضَرِيرَةً.
-لقد زَلَقَتْ قَدَمَايَ ببئرِ “لْعَيْوْجْ” يا أُمِّي حينَ كنتُ أسقِي الماءَ منهُ، فوقعتُ بقعرهِ، لكنني ظللتُ حيَّا، وبقيتُ أطلبُ النجدةَ حتَّى سمعَ صُرَاخِي عَابِرُ سَبِيلٍ٬ فَأَطَلَّ عَلَيَّ ورمَى لِي حَبْلَ الدَّلِوِ. فأمسكتُهُ. ثمَّ اٰنْتَشَلَنِي بِهِ مِنَ قَعْرِ البئرِ اٰلحَالِكَةِ إِلَی سَطْحِ اٰلْأَرْضِ اٰلْيَابِسَةِ. وسَقَطْتُ مَغْشِيًّا عَلَي بعدمَا سالتْ دماءٌ كثيرةٌ من رأسِي التي ارتطمتْ بِحواشِي البئرِ، فحَمَلَنِي اٰلشَّيْخُ ذو اللحية البيضاء عَلی ظهر بَغْلَتهِ اٰلْبَيْضَاءِ نحوَ بيتهِ. وحينَ استعدتُ وَعْيِي، وجدتُنِي هُنَاكَ بِمَنْزِلِهِ، فَجِئْتُكِ رَاكِضاً كَيْ أُفْرِحَ قَلْبَكِ وَقُلُوبَ إِِخْوَتِي وَأَهْلَ شرقاوةَ جَمِيعًا.
فقامتْ نحوهُ سَاعِيَةً مبتهجةً وهِيِ تَصِيحُ:
-حَمْدًا وَ شُكْرًا لَكَ يَا رَبِّي لِأَنَّكَ أَعَدْتَ لِي اٰبْنِي. لَقَدْ كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَرْأَفُ بِأَمَتِكَ اٰلْضَّعِيفَةِ.
ثمَّ أرَادَتْ عِنَاقَ اٰبْنِهَا، لَكِنَّهُ طَارَ إِلَی اٰلسَّمَاءِ بَاسِطًا جَنَاحَيْهِ كَأنّهُ ملَكٌ٬ فَلَمْ تُعَانِقْ إِلَّا اٰلْعَدَمَ. وَحِينَ أَفَاقَتْ مِنْ غَفْوَتِهَا٬ وَجدَتْ نَفْسَهَا تُعَانِقُ ترَابَ اٰللَّحْدِ اٰلَّذِي دَفَنَتْ بِهِ بَلْغَتَهُ وَ عَمَامَتَهُ اٌلصَّفْرَاوَيْنِ.
يتبع



