الرأي

الحلقة 16: كيف سيكون رد ” لالة حلـيمة” بعد علمها بزيارة ” دادا عبوش” لمنزل العراّفة بشأن ابنها ” مْحَمَّد”..؟

الحلقة 15/ لَهِيبُ-اٰلْاِنصِرَامِ
“عثمان العماري”

مَا إِنْ وَلَجَتْ “دَادَا عْبُوشْ” مَنْزِلَهَا، وَحطَّتِ اٰلْحَمَّالَةَ: (شّْوَارِي)٬ واٰلْبَرْدَعَةَ علی ظهرِ حمارِهَا الأشْهَبِ، حتَّی خرَجَتْ سَاعِيًةً نحوَ منزلِ أُختِهَا “لَالَّة حْلِيمَة”. فخَاطَبَتْهَا:
-لقدْ جِئْتُكِ يَا ابنةَ أُمِّي مِنْ قَرْيَةِ اٰلظَّلَامِ بخَبَرٍ يقينٍ عنِ ابنِكِ “مْحَمّْدْ”.
-ومَاذَا كُنْتِ تَصْنَعِينَ بِتلْكَ القريةِ النائِيَةِ يا أُخْتِي ؟
-لَقدْ زرْتُ العرَّافةَ اٰلشّْرِيفَةَ “لَالَّةْ خْنَاتَة”، التِّي حَدَّثَتْنِي عَنْهَا صديقتِي “رْقِيَّة”.
-مَاذَا ؟ زُرْتِ اٰلْعَرَّافَّةَ ؟ ألمْ أنْهَكِ عَنْ زِيَارَتِهَا يَا عْبُوشْ؟
-نَعَمْ نَهَيْتِنِي، لكنَّ كلامَكِ دَخَلَ منْ هذهِ الأذنِ وخرجَ من تِلْكَ.
-لِمَ زُرْتِهَا؟ لا تقولِي لِي إنَّكِ تريدينَ أن تُجرِّبِي سِحْراً جَدِيدًا فِي زوجِكِ “سِّي عْبَّاسْ” حتَّى وهوَ بِقبرهِ !
-لَمْ أُفْلِحْ في ذلكَ وهو حَيٌّ أمَامِي. فكَيْفَ وقدْ صَارَ رَمِيمًا؟
-كفاكِ خَرْبَطَةً وقُولِي لِي٬ لِمَ ذهبتِ إلَيْهَا؟
-من أَجْلِ ابنِكِ مْحَمّْدْ؟
-أعيدِي مَاذَا قُلْتِ؟
-لَقَدْ سَمِعْتِهِ؟
-كَيْفَ سَوَّلَتْ لكِ نفسُكِ فِعْلَ هذَا؟ ومَنْ أَذِنَ لَكِ بالذَّهابِ نِيَابَةً عَنِّي؟ أَ أُمُّهُ أَنْتِ أمْ أَبُوهُ؟
-إنَّهُ عِنْدِي بِاٰلْمَنْزِلَتَيْن مَعًا يَا أُخْتِي.
-ماذا أصنعُ بكِ يَا عْبُوشْ٬ قُولِي لِي مَاذَا؟ لقدْ نَدِمْتُ أَشَدَّ النَّدَمِ حِينَ وَثِقْتُ بِكِ، وقَصَصْتُ عَليكِ رُؤْيَايَ. مَا كَانَ لِي أنْ أفعلَ ذلكَ أبَدًا.
-اِسْمَعِينِي جَيِّدًا٬ وَكَفَاكِ وَعْظًا وَإرْشَادًا، فَلَيْسَ هذَا وَقْتهُمَا. لقدْ أخْبَرَتْنِي العرَّافةُ “خْنَاتَة” الرُّؤْيَا ذَاتَهَا الَّتي ظَلَّتْ تُرَاوِدُكِ في منامِكِ أيَّامًا ولَيالِيَ كَثِيرَةً، وَنَبَّأَتْنِي اٰبْنَكِ حَيًّا يُرْزَقُ فِي قريةٍ بَهَا حَرْفَا “قَافٍ” وَ “طَاءٍ”، أَسِيرًا عندَ الشَّيخِ عَيْنِهِ الَّذِي أنقذهُ من الغرقِ، ثمَّ حملهُ على ظهْرِ بغلتهِ البيضاءِ نحْوَ القريةِ المجهولةِ التي أَضْحَتْ معلومةً لِكِلْتيْنَا الآن.
– أَ أَبْدْو لكِ غبيةً إِلَی هذَا الحدِّ حَتَّی أُصَدِّقَ هُرَاءكِ هَذَا يَا هَذِهِ؟
-وَهَلْ كَذَبْتُ عَلَيْكِ يَومًا يَا اٰبْنَةَ أُمِّي؟
-وَهَلْ صَدَقْتِنِي اٰلْقَوْلَ يَوْمًا يَا اٰبْنَةَ أُمِّي؟
-وَحَقِّ اٰلثَّدْيَيْنِ اٰلَّلتَيْنِ رَضَعْنَا حَلِيبَهُمَا مَعًا٬ مَا كَذَبْتُ عَلَيْكِ؟
-اِحْلِفِي باللهِ وحدَهُ يا عْبُوشْ٬ فإنَّهُ لا يجوزُ اٰلْحَلَفُ بِغَيْرهِ.
-وَحَقِّ اٰلَّذِي لَا يَجُوزُ اٰلْحَلَفُ بِغَيْرِهِ٬ مَا كَذَبْتُ عليكِ يَا اٰبْنَةَ أُمِّي؟ هَلْ صَدَّقْتِنِي اٰلْآنَ؟
اِكتفتْ “لَالَّة حْلِيمَة” بالصَّمتِ. فَأَرْدَفَتْ أُخْتُهَا:
-و إذَا لَمْ تُصَدِّقِي كَلَامِي، فاٰسْأَلِي صَدِيقَتِي “رْقِيَّةَ”؟
-وَلِمَ أَسْأَلُهَا؟ أَ رَافَقَتْكِ إلَى العرَّافةِ هِيَ أََيْضًا؟
-أَجَلْ.
-وما أدْراكِ أنَّهَا لَمْ تَبِعْكِ لَدَيْهَا ؟
-لنْ تَفْعَلَهَا. أَنَا أَعْرِفُهَا جَيِّدًا٬ فَهِيَ صَدِيقَةٌ مُخْلِصَةٌ، وبيننَا حَبْلُ وِصَالٍ مَتِينٌ٬ وَأَسْرَارٌ جَمَّةٌّ.
-لِمَ أنتِ واثقةٌ بِهَا حتَّى هَذَهِ اٰلدَّرَجَةِ ؟
-أمَا قلتُ لكِ إنَّ بيننَا أسرارًا كثيرةً ؟ وأنتِ تعلمينَ مثلمَا أعلمُ معكِ أََيْضًا ٬ أنَّهُ لَا يُخْبِرُكَ سِرَّهُ إلَّا مَنِ اٰرْتَضَاكَ أمينًا علَى أسرارهِ دُونمَا غَيْرِكَ، فَلَا يُمْكِنُ أنُ يبيعَكَ مهمَا كلَّفهُ الأمرُ.
-يَبْدُو أنَّ فِي كَلَامِكِ بَعْضَ اٰلْحَقِّ.
-بعضَ الحقِّ فقطْ؟ اِنْتَظِرِي هُنَيْهَةً كَيْ تَرَي اٰلْحَقَّ كُلَّهُ إِذًا.

فَسَحبَتْ من “عَبُّونِهَا” ورقةَ اٌلتَّارُوتِ ذاتَ عددِ [أَحَدَ عَشَرَ] التِّي أعطَتْهَا العرّافةُ إيَّاهَا، وَأَرَتْ أخْتَهَا الفارسَ الذي بها، ثمَّ شرعتْ تُؤَوِّلَ لَهَا مَابِهَا مِنْ رُموزٍ؛ مثلمَا فعلتْ معهَا العرَّافَةُ “خْنَاتَة”. وحين سَمَعَتْ “لَالَّة حْلِيمَة” كُلَّ تِلكَ التَّآويلِ، فَرِحَتْ بَادِئِ الأمرِ، وَسُرْعَانَ مَا حَدَّثَتْ نَفْسَهَا مُؤَنِّبَةً:
-ماهذَا يا حْلِيمَة؟ اِستغفِري ربَّكِ وتُوبي إليهِ٬ كَأَنِّي بِكِ تَقْرَعِينَ أَبْوَابَ اٰلشِّرْكِ بِهِ.
فشرعتْ تستغفرُ اللهَ، وتدعوهُ أنْ يُثَبِّتَ قلبَهَا على الإيمانِ، ثمَّ ثارتْ فِي وجهِ أخْتِهَا :
-تَا اٰللَّهِ كِدْتِ تُغْوِينَنِي أَيَّتُهَا اٰلْوَسْوَاسَةُ اٰلْخَنَّاسَةُ. فَاٰغْرُبِي عَنْ وَجْهِي٬ ولا تَدَعِينِي أرَى سِحْنَتَكِ بعدَ الآن. وإذا مِتُّ، فلَا تُمِيطِي اٰلْكَفَنَ عَنْ رأسِي وَتُوَدِّعِينِي. وإياك أن تبحثي عن ابني في القرى التي وصفتها لك تلك المشعوذة المشركة”.

-سأغربُ عن وجهكِ الآنَ. لكنْ سَتندمينَ سَاعَةَ لا ينفعكِ ندَمٌ. وسَيعُذِّبُكِ ضَميرُكِ حينمَا تَريْنَ ابنَكِ راكبًا وراءَ ظهرِي على الحمارِ الأشهبِ. وسَأُبيِّنُ لكِ أنَّكِ تظلِمينَ “اٰلشُّرْفَةَ” وتَتَّهِمِينَهُمْ بالكذبِ بُهْتَانًا. وحينَ سَتَطْلُبِينَ السَّماحَةَ منِّي لنْ أغفِرَ لكِ. ولولَا أنَّنِي أُحِبُّ ابْنكِ “مْحَمّْدْ” مَا فَعَلْتُ كلَّ هذَا، ولَا قصدْتُ العرافَّةَ، ولا تَجَشَّمْتُ عناءَ هذَا السَّفرِ الطَّويلِ ذَهابا وإيابًا؟ لكِنْ بمَ جازيتِ مَعْرُوفِي؟ بِقَطْعِ اٰلرَّحِمِ التِي وَلَدْتْنَا سَوِيًّا؟ أهَكَذَا تكونُ آصِرَةُ الأُخوَّةِ يَا أُخَيَّةُ؟ نِعْمَ أَنْتِ يَا اٰبْنَةَ أُمِّي !
ثمَّ حاولتِ الانصرافَ عنهَا، لكنَّ “لَالَّة حْلِيمَة” أمسكَتها مِنْ طَرَفِ إِزَارِهَا الأبيضِ بعدمَا تأثرتْ لكلمَاتِهَا، ولانَتْ لَهَا مُهْجَتُهَا، فعانقتْهَا بَاكيةً:
-مَعْذِرَةً مِنْكَ يا ابنةَ أمِّي. ما قَصَدْتُ هذا كلَّهُ، لكنَّنِي خِفْتُ أنْ أُشْرِكَ بربِّي. فقدْ كانَ “سِّي لْمِيرْ” رحمهُ اللهُ يُحَذِّرنِي – دَوْمًا- من مَغَبَّةِ الشِّركِ باللهِ، و يقولُ لي إنَّه – عزَّ وَجَلَّ- يغفِرُ كلَّ اٰلذُّنُوبِ إِلَّا أنْ يُشْرَكَ بِهِ.
-عن أيٍّ شِركٍ تتحدثينَ يا أختِي؟ إنَّ اٰلعرَّافَةَ اٰلشّْرِيفَةَ “خْنَاتَة” أُوتِيَتْ كَرَامَةَ الإِنباءِ عن الغيبِ. لقدْ عَرَفَتْ اِسمِي واسمَ ولَدِكِ ونسبَهُ كلَّهُ. بلْ عَلِمَتْ حَاجتِي قَبْلَ إِفصاحِي عَنها؟ إنّهَا شْرِيفَةٌ ذاتُ كَرَامَةٍ وَبَرَكَةٍ.
-أرجوكِ يا “عْبُوشْ” كَفَى. لا أريدُ أن أُحَدِّثَكِ فِي ذَاكَ اٰلْأَمْرِ أكثرَ منْ هَذَا الحَدِّ. لقدْ تَعِبْتُ من كثرةِ الشَّرْحِ لَكِ٬ لَكِنْ بِلَا جَدْوَى، كَأنَّ عَلَى قَلْبِكِ وَ عَقْلِكِ غِشَاوَةً.
-لَا مَغْشِيًّا عَلَيْهَا إِلَّاكِ يا ابنةَ أُمِّي. أفيقِي من غيبوتكِ واٰنْظُرِي ماذا تفعلينَ كَيْ تَجِدِي وَلَدَكِ وتُرجِعِيهِ إلى حُضنكِ، فَتَقَرَّ عَيْنَاكِ بِهِ٬ وَ اٰنْزَعِي عَنْكِ ثَوْبَ اٰلْعِظَةِ والإرشَادِ الأكبرَ مِنْكِ٬ فَإِنََّهُ لَمْ يَلِقْ بِكِ. سأتركُكِ تُفكِّرِينَ فِي الأمرِ مَلِيًّا. أمَّا أنَا فسأذهَبُ كيْ أنامَ و أرتاحَ من سُمِّ سفرِي الطويلِ٬ بعدمَا لِقِيتُ منهُ نَصَبَا. معَ السلامةِ يا ابنة أمِّي.
-مع السلامَِة يا ابنةَ أمِّيِ؟ وَهَلْ سَتَظَلُّ لِي سلامةٌ بعدَ الذِّي سَمِعْتُهُ منكِ أيَّتُهَا اٰلْمُغْوِيَةُ؟ لقدْ فَتَنْتِنِي بِكَلَامِكِ و قتلتِنِي، فَلَا قَاتَلَكِ اللهُ يَا مَرِيدَةً.
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى