الرأي

بعدما أفاقت ” لالة حليمة ” من حلمها هل ستصدق ما رأته ..؟

#لَهِيبُ-اٰلْاِنْصِرَام( الحلقة 18
“عثمان العماري”

أفاقتْ “لَالَّة حْلِيمَة” منْ حُلْمِهَا هَلِعَةً فَزِعَةً، وَ ظَلَّ عقلُهَا مُشَوَّشًا شَارِدًا، يُفَكِّرُ الوقتَ كُلَّهُ فِي اٰلحوارِ الَّذي حَصَلَ بينهَا وبينَ “مْحَمّْدْ”. ثمَّ حَاولتْ أنْ تجِدَ تَأْوِيلَاتٍ معقولةً لتلكَ الكلماتِ المُتبعثرةِ التي هَمَسَ لهَا ابنُها في أُذْنِهَا، فَأَخَذْتْ تُزُلْزِلُ ذِهْنَهَا بِأَسْئلةٍ ثقيلةٍ:
-أَلَقِيَ اٰبْنُكِ “مْحَمّْدْ” حَتْفَهُ عَلی يَدِ اٰمْرَأَةٍ أَفْعَى؟ أمْ هَلَكَ بِلَدْغَةِ أَفْعَى تَسْعَى؟ فإنْ كَانَ قُتِلَ مَلْدُوغًا بِسُمِّ الأخِيرةِ، لِمَ لَمْ نَعْثُرْ عَلَى جُثَّتِهِ قُرْبَ جُحُورِ اٰلْأَفَاعِي وَاٰلثَّعَابِينِ وَاٰلْعَقَارِبِ ؟!
وسُرعانَ ما تَخَلَّتْ عنْ هذَا التَّأويلِ:
– لَا يَا حَليمَةُ بِنْتَ أَحْمَدَ٬ كَفَاكِ هُراءً. ألَا تعلمينَ أن الفصْلَ فَصْلُ شتاءٍ مقرورٍ، ولا يمكنُ للأفاعي والثعابينِ والعقاربِ أن تخرجَ من جحورِها؟! وَ حَتَّى لوْ خرجتْ، فلنْ تستطيعَ لَسْعًا أَوْ لَدْغًا. لَا مَحَالَةَ أنَّ امرأَةً أفْعَى مَنْ جَرَّعَت اٰبنَكِ سُمًّا شَهَّاقًا، أَوْ غَرَسَتْ بِظَهْرِهِ سِكِّينًا مَاضِيًا بَرَّاقَا، ثمَّ تَخَلَّصتْ مِنْ جُثَّتِه في مكانٍ مَا؟ لكنْ لماذَا لمْ نجِدْ لهذهِ الجثَّةِ أَثَرًا حتَّی الآنَ٬ أوْ نَسْمَعْ عَنْهَا خَبَرًا عَلی اٰلأَقَلِّ ؟! أَلَيْسَتِ اٰلرُّوحُ عَزِيزَةً عِنْدَ نَافِخِهَا فِينَا ؟ أَلَيْسَ يَهْتَزُّ لَهَا عَرْشُهُ إِذَا أُزْهِقَتْ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ؟ أَيُعْجِزُهُ كشْفُ مُزْهِقِهِا ولوْ دَفَنَ اٰلْجُثْمَانَ بِمَشَارِقِ اٰلْأرْضِ أوْ مَغَارِبِهَا، أوْ حَتَّی رَمَاهَا بِبَحْرٍ لُجِّيٍّ سَحِيقٍ؟!
وفجأةً نزعتْ هذا التأويلَ من ذهنِهَا مرَّةً أخرى:
-مَادَا دَهَاكِ يَا حليمةُ، إنَّ ابنَكِ غرقَ بالبئرِ ، كَيفَ نسيتِ اٰلْفرْدَةَ اٰلُيُسرى لِبَلْغَتِهِ اٰلصفراءِ؟ أَلَمْ يَجِدْهَا “سِّي لْحْسِينِي” تَطْفُو عَلَی سَطْحِ مَاءِ “لْعَيْوْجْ” حِينَ نَزَلَ إلى قَعْرِهَا اٰلْعَمِيقَةِ كيْ يَنْتَشِلَ جُثْمَانَهُ ؟!
وَسرعانَ ما تَسلَّلَ إليهَا الشَّكُّ منْ جديدٍ، فوبَّختْ نفْسهَا:
-مَا أَشَدَّ غَباءَكِ يَا حَلِيمةُ! وَكَأنَّ اٰلَّذِي قَدَرَ عَلَى قَتْلِ اٰبْنِك لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلی أخذِ بَلغتِهِ إلى اٰلبِئْرِ وَرَمْيِهَا بِاٰلْقَاعِ مَخَافَةَ أَنْ يَشُكَّ اٰمْرُؤٌ فِي مَوْتِ وَلدِكِ مَقْتُولًا ؟!
غَيْرَ أَنَّهَا تَخَلَّتْ عَنْ هَذَا اٰلتَّفْسِيرِ أَيْضًا، وَقَطَعَتِ اٰلرِّيبَةَ بِاٰلْيَقِينِ:
-اِفْتَرضِي يَا حَلِيمَةُ أنَّ قاتلَ اٰبْنِكَ رَمَى اٰلبلغةَ دُونَ صَاحِبَهَا، فَمَاذَا تَقُولِينَ فِي قَطَرَاتِ اٰلدَّمِ اٰلَّتِي رَآهَا “سِّي لْحْسِينِي” عَلَى حَوَاشِي اٰلْبِئْرِ؟ هَلْ سَتُكَذِّبِينَهَا أَيْضًا !؟
رَبَّاهُ يَا رَبَّاهُ لقدِ اختلطتْ عَلَيَّ اٰلتَّآويلُ وَتشَابَهَتْ وَتشَبَّكَتْ وَتَلَبَّكَتْ وَتَخَرْبَقْتْ. سَاعِدْنِي يَارَبِّي أَتَوَسَّلُ إلَيْكَ.
ثم استأنفتْ تَآوِيلَهَا:
لم يتبقَّ لَكِ يَا حَلِيمَةُ سوَی تَأويلَيْنِ اثنينِ لَا ثالثَ لهُمَا، إمَّا أنَّ ابْنَكِ سَقَطَ بالبئرِ حَيًّا أو أُسْقِطَ بِهَا، فإنْ سَقَطَ بِهَا من تِلْقَاءِ نفسهِ، فالأمرُ أقلُّ إِيلَامًا منْ إسْقاطهِ؟ أمَّا إنْ أُسْقِطَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، فهذَا شأنٌ آخرُ. لكنَّ الَذي لمْ أفهمهُ حتَّى الآن، منْ لَهُ عَداوةٌ معَهُ حتَّى يصنعَ به كلَّ هذَا وهو طفلٌ صغيرٌ لمَّا يَبْلُغِ اٰلْحُلُمَ٬ ولمْ يُلْحِقْ أَيَّ أَذًی بِأحَدٍ، لَا بِيَدِهِ وَلَا بِلِسانهِ؟! أيُعقلُ أنَّ مُغْرِقَهُ لهُ عداوةٌ معِي أنَا، لِذلِكَ أرادَ أن ينتقمَ منِّي، فلمْ يجدْ غيرَهُ يَحْرِقُ قلْبي بهِ وَيُثِْكلُنِي فيهِ؟ لَكِنْ حتَّى أنا ليستْ لي أيُّ عداوةٍ مع أيِّ أحدٍ من أهْلِ شرقاوةَ كُلِّهِمْ. رُبَّما تكُونُ له عداوةٌ مع أبيهِ المرحوم “سِّي لْمِيرْ”، فأرادَ أنْ يشوِيَ فؤادَهُ حَتَّی وَهوَ فِي قبرهِ، لأنَّهُ كَانَ يعلمُ حُبَّهُ الشَّدِيدَ لابنهِِ. كيفَ لَا وقدْ سَمَّاهُ باسمِ أبيهِ “مْحَمّْدْ لْشْهَبْ”؟. ولكنَّ “سِّي لْمِيرْ” نفسَهُ أَيْضًا لَمْ يَكنْ لهُ أعداءٌ، فَكُلُّ اٰلنّاسِ كَانُوا يُحِبُّونَهُ أَيّمَا حُبٍّ٬ ويشهدونَ لهُ بالطِّيبةِ ودَمَاثَةِ الخُلُقِ.
فَكِّرِي فَكِّرِي جَيِّدًا يَا حَلِيمَةُ فِي عدوٍّ حاقدٍ عليكِ أو عليهِ، أو عليكُمَا معًا.
أَجَلْ أجَلْْ لقدْ وَجَدْتُهَا، كيفَ نَسيتُهَا؟ ومَنْ غيرهُا اٰللَّعِينةُ تَكْرَهُ “سِّي لْمِيرْ” كُلَّ ذَاكَ الكُرهِ٬ بَلْ تكرهُنِي مَعَهُ، وتَحْقِدُ عَلَى كِلَيْنَا أشدَّ الحِقْدِ. إنَّهَا اٰلْأَفعَى…
يتبع
-ملاحظة:
كلماتُ “تَشَبَّكَتْ”،”تَلَبَّكَتْ”، “تَخَرْبَقْتْ” عربية فصيحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى