الرأي

الحلقة 19: وأخيرا اعتدت ” لالة حليمة ” لقاتل ولدِها ” مْحَمَّد”…هل هي الحقيقة أم الهراء..؟

#لَهِيبُ-اٰلْاِنْصِرَامِ / الحلقة : 19
“عثمان العماري”

بعدَ تفكِيرٍ شَاقِّ وَمُضْنٍ، اِهْتَدْتْ “لَالَّة حْلِيمَة” -أخِيرًا- إلى الشَّخصِ الَّذِي لهُ عَداوَةٌ مَعَهَا ومعَ زوْجِهَا الرَّاحلِ”سِّي لْمِيرْ”، فانتقمَ مِنْهُمَا معًا بِإسقاطِ أَعَزِّ بَنِيهِمَا بِغَيَابَةِ اٰلْجُبِّ. تَقُولُ “لَالَّة حْلِيمَة” مُفْصِحَةً عَنْ هُوِّيّتِهِ:
-إنَّها اٰلْأَفْعَی”رْقِيَّة بْنْتْ عْلاَّلْ وْلْدْ لْقُرْشِي” الَّتِي كانتْ زوجَةَ “سِّي لْمِيرْ” اٰلْأُولَى؛ قبلَ أن يُطَلِّقَهَا ويَتَزَوَّجَنِي. واٰلَّذِي جَعَلَهُ يُقْدِمُ عَلَی تَطْلِيقِهَا أَنَّهُ لَمَحَهَا تَدُسُّ اٰلسُّمَّ فِي كَأسِ شَايِ أُمِّهِ “لَالَّة لْبَاتُولْ”. وحِينَ سَرَّحَهَا وأرسَلهَا إِلَی دَارِ أَبِيهَا، نَتَفَتْ خِصْلَاتِ شَعْرٍ مِنْ نَاصِيَتِهَا، ثُمَّ هَدَّدَتْهُ:
-إِذَا لَمْ أَنْتَقِمْ مِنْكَ يَا لْمِيرْ، فَلَسْتُ رْقِيَّة بْنْتْ عْلاَّلْ وْلْدْ لْقُرْشِي!
فَأَعْمَتْهَا غُصَّةُ الطَّلاقِ عَنْ إسْقَاطِ ابنهِ بِالْبِئْرِ وَهُوَ بَرَاءٌ مِمَّا وَقَعَ لَهَا بَرَاءَةَ اٰلذِّئْبِ مِنْ دَمِ يُوسُفَ اٰلَّذِي أُسْقِطَ بِغَيَابَةِ اٰلْجُبِّ غَدْرًا كَذَلِكَ، كَمَا أعْمَتْها نَارُ عَدَاوَةُ اٰلضَّرَائِرِ مَعِي عَنْ إسْقَاطِهِ مِثْلَمَا أُسْقَطَ اٰلنّبِيَّ يُوسُفَ إِخْوَتُهُ اٰلْأَحَدَ عَشَرَ؛ فَطَالَمَا كَانَ حُلمُهَا إِنْجَابُ وَلَدٍ مِنَ “سِّي لْمِيرْ” تُسَمِّيهِ اٰسْمَ أبيهِ، لكنَّهُ طَلَّقَهَا قبلَ حَمْلِهَا مِنْهُ، وتزوَّجَنِي بديلةً عنهَا، فأَنْجَبْتُهُ لَهُ أنَا، لذلكَ زادَ حِقْدُهَا عَلَيَّ، لَكِنْ مَا كُنْتُ أظُنُّهُ يَصِلُ حدَّ إسقاطِ فَتًی صَغِيرٍ ببئرِ “لْعَيْوْجْ” اٰلْمُخِيفَةِ. الآنَ عرفتُ لماذَا طلبَ مني وَلَدِي “مْحَمّْدْ” سؤالَ أبيهِ عن حَقيقةِ ذَاكَ السُّمِّ الذي كانَ مَعهُ حينَ قلتُ لهُ:”اُصْدُقْنِي اٰلْقَوْلَ يَا وَلَدِي، مَا حَقِيقَةُ ذَاكَ اٰلسُّمِّ اٰلَّذِي تَحْمِلُهُ يُمْنَاكَ”؟ فَأَجَابَنِي:”سَلِي أَبِي يُخَبِّرْكِ عَنْهُ يَا أُمِّي”. وَحِينَ قُلْتُ لَهُ:”إِنَّ اٰلْأَمْوَاتَ لَا يُسْأَلُونَ يَاوَلَدِي”، كَانَ جَوَابُهُ: “إِنَّ اٰلشُّهَدَاءَ لَا يَمُوتُونَ يَا أُمَّاهُ”. وكأنَّهُ أرادَ أن يقولَ لِي:”اِسْأَلِي أَبِي يُخْبِرْكِ أَنّنِي أَنَا اٰلَّذِي دَفَعْتُ ثَمَنَ تَطْلِيقِهِ رْقِيَّة”. لَكِنْ لِمَاذَا نَعَتَهُ بالشَّهيدِ وهوَ اٰلذِّي مَاتَ بَعْدَمَا فَتَكَتْ بِهِ حُمَّى الأمعَاءِ؟ أيُحْسَبُ شهيدًا مَنْ مَاتَ مَحْمُومًا؟ لَا أظُنُّ أنَّ هذَا مَاعَناهُ “مْحَمّْدْ”٬ وماذَا عَنَى إذًا؟ أَيُعْقَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إِخْبَارِي بِمَوتِ وَالِدِهِ مَسْمُومًا؟ وأَنَّ الَّتِي سَمَّمَتْه “رْقِيَّة” المُجْرِمَةُ مثلمَا حَاولتْ قَبْلَهُ تَسْمِيمَ أمَّهِ “لَالَّة لْبَاتُولْ”؟ لَا لَا هَذَا مُسْتَحِيلٌ. وَمَا أَدْرَاكِ يَا حِلِيمَةُ؟ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً٬ فَمَنْ حَاوَلَ أن يُسَمِّمَ مرَّةً، سَيُعِيدُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَمَرَّاتٍ؟ يَاٰلِّلهُ ! لَقدْ تَذَكَّرْتُ لِمَاذَا شَكَا “سِّي لْمِيرْ” مِنْ مَغَصٍ شَدِيدٍ في أمعائهِ حينَ وقعَ طريحَ فراشِ الموتِ،
وَ قَالَ لِي وَهُوَ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا: “إنَّنِي أُحِسُّ نارًا حَامِيًةً تَشْوِي أَحْشَائِي، وَتُمَزِّقُ أَوْصَالِي يَا حَلِيمَةُ، فَنَادِي لِي أَوْلَادِي كَيْ آخُذَهُمْ معِي، فَإنَّهمْ صِغَارٌ، وسَيَتَعَذَّبُونَ مِنْ بَعْدِي فِي هَذِهِ الحياةِ القاسِيَةِ” ثمَّ لفظَ أنفاسهُ الأخيرةَ -رحمه الله – وهُوَ حَاضِنٌ وَلدَهُ “مْحَمّْدْ”؟! لقد كُنْتُ أظنُّهُ مَاتَ مَحْمُومْا٬ والحقُّ أنَّهُ مَاتَ مَسْمُومًا، رُبَّمَا لِذَلِكَ أرادَ أنْ يأخذَ معهُ بنيهِ إلَى خالقهِمْ، كَأَنَّهُ عَلِمَ أنَّ “رْقِيَّة” سَتُعَذِّبُهُمْ وتُلحِقُهُمْ بهِ تِبَاعًا. كَمَا أنَّ ابنَنا “مْحَمّْدْ” حَذَّرنِي مِنْهَا في المنامِ أَيْضًا لَمَّا قَالَ لِي:”اِعْتَنِي بنَفْسِكِ جَيِّدًا يَا أُمَّاهُ وَاٰحْذَرِي اٰلسُّمَّ اٰلْمُحِيطَ بِكِ”. لقدْ أيقنَ أنَّ غَلِيلَهَا لمْ يُشْفَ بَقَتْلِهَا لَهُ وَلِأَبِيهِ. بلْ أرادَتْ كَذَلِكَ أنْ تُثْكِلَنِي فِي بَاقِي أَوْلَادِي: “مْحْمُودْ”، “كْنْزَة”، “حْمْدْ”. وحينَ تنتهِي منْ أمرِهِمْ جَمِيعًا سَتُلْحِقُنِي بهِمْ لَا مَحَالَةَ، لِأَجْلِ ذَلِكَ لمْ يُفْصِحْ لِي عن اسْمِهَا مُكتفيًا بِتَحْذِيرِي فقطْ كَيْ لَا تُؤْذينِي إنْ سَعَيْتُ إليها مُطَالِبَةً بِثَأرِهِ وَثَأْرِ أَبِيهِ منْهَا.
ثُمَّ اٰغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهَا بِاٰلدَّمْعِ٬ وَقَالَتْ :
– آهٍ عَلَيْكَ يَا فِلْذَةَ كَبِدِي٬ لَقَدْ خِفْتَ أَنْ تُزْهَقَ رُوحُ أُمِّكَ، لَكِنَّكَ نَسِيتَ أنكَّ أنْتْ رُوحُهَا وكُلُّ حَيَاتِهَا !
وَسُرْعَانَ مَا كَفْكَفَتْ دُمُوعَهَا٬ وحَدَّثَتْ نَفْسَهَا:
-ليسَ هذَا وقْتَ بُكَائِكِ يَا حَلِيمةُ، إنَّهُ وقْتُ أَخْذِ اٰلثَّأرِ مِنْ مُرَمِّلَتِكِ وَمُثْكِلَتِكِ، يجبُ أنْ تُفْطِرِي بِهَا قَبْلَ أَنْ تَتَغَذَّى بِكِ، أمْ سَتَظَلِّينَ مُتَفَرِّجَةَ عَلَيْهَا وَهِيَ تُفْنِي “آلَ اٰلْعُمَارِي” عَنْ بِكْرَةِ أَبِيهِمْ؛ اٰلْوَاحِدَ تِلْوَ الآخرِ؟ لَكِنْ لَنْ أَْسْمَحَ لَهَا بِهَذَا. أعَدِكُمَا يَا حَبِيبَيَّ أنْ أَقْتَصَّ لَكُمَا مِنْ تِلْكَ اٰلسَّفَّاحَةِ٬ وآخُذَ بِدَمِكُمَا. سَأُجَرِّعُهَا مِنَ الكأسِ نفسِهَا اٰلَّتِي أَذَاقَتْكُمَا مِنْهَا لَهِيبَ اٰلْاِنْصِرَامِ، وسُمَّ الفِراقِ اٰلزُّعَافِ؛ كَيْ تَرْتَاحَا وتَنَامَا قَرِيرَيْ اٰلْعُيُونِ فِي قَبْرَيْكُمَا.
وحينَ انتهتْ مِنْ وَعْدِهَا وَوَعِيدِهَا، استطاعتْ أَنْ تَهْتَدِيَ أَخِيرًا وَآخِرًا إلى تأَويلٍ نِهَائِيِّ لتلكَ الكلماتِ المُتَبَعْثِرَةِ:
-{أَفْعَى/شّْرِيفْ/ اٰلْوَادِي/ رْقِيَّة/ سُمٌّ }. لقَدْ أَوَّلَتْهَا بِهَذِهِ اٰلْجُمْلَةِ:
-{رُقَيَّةُ أَفْعَى اٰلْوَادِي سَمَّمَتْ شّْرِيفْ}.
فَاٰٰٰلشّْرِيفْ لَقَبٌ أطْلَقُهُ الشَّرْقَاوِيُّونَ علی”سِّي لْمِيرْ” لأنَّهُ كَانَ يُبْرِئ اٰلْمَجْذُومِينَ بإذنِ رَبِّهَ، كَمَا أطْلَقُوهُ أيضًا عَلَی ابنهِ “مْحَمّْدْ” بعدمَا لَاحظُوا مابينهمَا من شبهٍ كَبِيرٍ٬ فَتَوَسَّمُوا فِيهِ كَرَامَةً كَكَرَامةِ والدهِ.

وَحينَ تَمَكَّنَتْ “لَالَّة حْلِيمَة” مِنْ لَمِّ شَتَاتِ تِلْكَ اٰلكَلِمَاتِ اٰلْمُتَفَرِّقَةِ، قَامَتْ مِنْ مَقعَدِهَا مُتَعَجِّلَةً، فَتَوَجَّهَتْ مُسْرِعَةً نَحْوَ مطبخِهَا كَيْ تَأْخُذَ مِنْهُ اٰلسِّكِّينَ الَّتِي كَانْ يَذْبَحُ بِهَا زوجُهَا اٰلرّاحِلُ “سِّي لْمِيرْ” أُضْحِيةَ العيدِ، ثُمَّ نَوتِ اٰلذَّهَابَ نَحْوَ مُرَمِّلَتِهَا وَمُثْكِلَتِهَا اٰلَّتِي أَحْرَقَتْ قَلْبَهَا مَرَّتَيْنِ؛ كَيْ تَقْتَصَّ مِنْهَا وَتَأْخُذَ بِثَأْرِ بَعْلِهَا وٰاٰبْنِهِمَا…
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى