الحلقة 20: فجأةً قَصَدَتْ “لَالَّة حْلِيمَة” مَطْبَخَهَا مُسْرِعَةً وحَمَلَتْ مِنْهُ السِّكِّينَ

#لَهِيبُ-اٰلْاِنْصِرَامِ/ الحلقة : 20
“عثمان العماري”
قَصَدَتْ “لَالَّة حْلِيمَة” مَطْبَخَهَا مُسْرِعَةً، فحَمَلَتْ مِنْهُ السِّكِّينَ الَّتِي كَانَ يَذْبَحُ بِهَا زَوْجُهَا اٰلرَّاحِلُ “سِّي لْمِيرْ” أُضْحِيَاتِ اٰلْعِيدِ، ثُمَّ نَوَتِ اٰلذَّهَابَ نَحْوَ “رْقِيَّة” كَيْ تَقْتَصَّ مِنْهَا، وَتَأْخُذَ بِثَأْرِ زَوْجِهَا وٰاٰبْنِهَا. وَفَجْأَةً وقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى اٰبْنِهَا “مْحْمُودْ” بِرُكْنِ اٰلمَطْبَخِ، جَاثِمًا عَلَی رُكْبَتَيْهِ، دَاسًّا رَأْسَهُ في اٰلكِيسِ الَّتِي كانَ وَضَعَ بِها اٰلْبَطَّانِيَّةَ الحمراءَ وَحَمَلهَا إلى سوقِ جُمُعَةِ “فُوكُو” قَصْدَ بيعِهَا؛ بعدمَا كلَّفَتْهُ أمُّهُ بذلكَ، وأوصَتْهُ أن لايَقْبَلَ بأقلّ من خَمْسِينَ دِرْهمًا ثَمَنًا لهَا. فَسَأَلَتْهُ:
-“عَمَّاذَا تَبْحَثُ يَا مْحْمُودْ” ؟!
فَأخرجَ رأسَهُ من الكيسِ فَزِعًا٬ وبِيَدِهِ سِكِّينٌ مَاضِيَةٌ، ثُمَّ خَاطَبَ أُمَّهُ:”حَرَامٌ عَلَيْكِ يَا أُمِّي لَقَدْ أَفْزَعْتِنِي”. ثُم رَدَّ عَنْ سُؤالِهَا بَعْدَمَا تَنَفَّسَ اٰلصُّعَدَاءَ:”لقدْ كُنْتُ أبْحَثُ عنْ هذهِ اٰلسِّكِّينِ اٰلَّتِي كَانَتْ تَائِهَةً بَيْنَ الخضرِ والفواكهِ”.
-“وَ مَا حَاجَتُكَ بِهَا يَا مْحْمْودْ؟ ثُمَّ إنَّنِي لَمْ أُوصِكَ بِشِرَائِها منَ السُّوقِ٬ لَقَدْ أَوْصَيْتُكَ بشراءِ اللَّحمِ والخُضرِ والفواكهِ فقط. لماذَا لمْ تسمعْ كلامِي” ؟!
-“سَأَذْهَبُ بهذِه اٰلسِّكِّينِ اٰلْمَاضِيَةِ نَحْوَ تِلْكَ السَّاحِرَةِ”؟
-“عَنْ أَيِّ سَاحِرًةٍ تَتَحَدَّثُ يَا مْحْمُودْ”؟
-“وَمَنْ غَيْرُهَا اٰلسَّاحِرَةُ رْقِيَّة”!
-“ماذا قلتَ؟ رْقِيَّة اٰلسَّاحِرة؟ لماذَا توَدُّ الذَّهابَ إليها؟ أتريدُ أنْ تقتُلَهَا أنتَ أيضًا” ؟.
– “أستغفرُ اللّهَ. مَاهَذَا الكلامُ يا أمِّي؟ وَماذَا صَنعَتْ بِي رْقِيَّة حتَّى أَقْتُلَهَا وَأُرِيقَ دَمَهَا” ؟!
-“لماذَا تُريدُ أنْ تَذْهَبَ إلَيْهَا بِسِكِّينَكَ إِذًا” ؟!
-“كَيْ أُعْطِيَها أمانتَها” !
-“أمانَتهَا؟ أََيّ أَمَانَةٍ” ؟!
-“هَوِّنِي عَليْكِ يا أمِّي. لماذَا تَجَهَّمَ وجهُكِ كُلَّ هذَا اٌلتَّجَهُّمِ عِنْدَمَا سَمِعْتِ اٰسْمَ رْقِيَّة وَ كَأَنَّكِ سَمِعْتِ اٰسْمَ شَمْهَارُوجْ؟!
-“لقدْ سَألتُكَ يَا مْحمُودْ فأجِبنِي وَكَفَاكَ مُزَاحًا. لِماذَا تُريدُ الذَّهابَ بالسِّكِّينِ إلى رْقِيَّة؟ وعنْ أيِّ أمانةٍ تتحدَّثُ ” ؟!
-“أرجوكِ يا أمِّي لا تَصْرُخِي فِي وجهي فَإنَّكِ تُخيفيننِي، ثمَّ إنِّي لمْ أقلْ لكِ مَا يستدعِي منكِ كلَّ هذا الصُّراخِ. أَمَّا هذهِ السِّكِّينُ فَأَرْسَلَتْهَا مَعِي رْقِيَّة حِينمَا رأتنِي عائدًا من السُّوقِ نَحْوَ شَرْقَاوَةَ صُحْبَةَ خَالَتِي “دَادَا عْبُوشْ”، وَطَلَبَتْ منِّي أنْ أُعْطِيَهَا اٰبْنَهَا كيْ يَذْبَحَ بِهَا دِيكًا بَلَدِيًّا، وَيَدْعُوَ زوجتَهُ إلى إعدادِ قَصْعَةِ كُسْكُسٍ لِاستقبالِ شَخْصٍ سَيَحُلُّ عَلَيْهِمْ ضَيْفًا مِنْ مدينةِ الدَّارِ البيضاءِ. وَسَتصْطَحِبُهُ رْقِيَّة إلَى شَرْقَاوَةَ حَالَمَا تُنْزِلُهُ حَافِلَةُ “عْريْبَاتْ” اٰلْقَادِمَةُ منَ اٰلْبَيْضَاءِ صَوْبَ سوقِ اٰلْجُمُعَةِ. لكنَّ سُقَوطَ أخِي “مْحَمّْدْ” ببئرِ “لْعَيْوْجْ” أنْسَانِي رَدَّ أَمَانتِهَا إليهَا، مثلمَا أنسَاهَا سُؤالِي عَنْهَا”!
– “هلْ قلتَ لي إنَّكَ لَقِيتَ رْقِيَّةْ بِسُوقِ جُمُعَةِ “فُوكُو” “؟!
-“نَعَمْ يَا أُمِّي”.
-“رْقِيَّة رْقِيَّة” ؟!
– “أَجلْ يَا أمِّي. رْقِيَّة رْقِيَّة”
-“هل تقْصِدُ رْقِيَّة بْنْتْ عْلَّالْ وْلْدْ لْقُرْشِي”؟!
-“وكم رْقِيَّة عنْدَنَا بِشَرْقَاوَةَ سِوَی السَّاحِرةِ بِنْتِ عْلَّالْ وْلْدْ لْقُرْشِي” ؟
-“أَمُتَأكِّدٌ أنْتَ مِنْ هَذَا الأمرِ، أمْ تُمَازِحُنِي كعَادَتكَ”؟!
-“ومنذُ متَى كنتُ أمُازِحُكِ فِي أمرٍ كهذا يا أمِّي؟! لقد التقيتُ بها حقًّا في سوقِ الجمعة، بلْ ذَهَبَتْ معَنَا إليهِ عَلی مَتْنِ حَافِلَة “لْحْلَّاوِي”. لَكِنْ لِمَ كلُّ هذِهِ الأسئلةِ الغريبةِ يا أمِّي ؟ ! ولِمَاذَا تحملينَ معكَ أنتِ أيضًا سِكِّينَ النَّحْرِ تِلْكَ؟ لا تقولِي لِي إنَّكِ تَنْوِينَ ذَبْحَ حِمَارِنَا الأشْهَبِ بِهَا”؟!
-“أهذَا وقْتُ مُزَاحِكَ يَا مْحْمُودْ؟ لقدْ سألتكَ فقطْ. وهذهِ السِّكِّينُ أردتُ أنْ أخَبِّئَهَا فِي مكانٍ آخرَ لا تصِلُهُ يدُ أخِيكَ أَحْمْدَ، فأنتَ تعلمُ أنَّهُ يَتَسَلَّلُ إِلَى اٰلمَطبخِ – خِلْسَةً- فِي كُلِّ ليلةٍ كيْ يَسرِقَ حَبَّةَ طَمَاطِمَ، ويقطَّعَهَا نِصْفَينِ، ثمَّ يضعَها داخلَ كِسْرَةِ الخبزٍ ويأكلَها. من أجلِ ذلكَ سَأُخَبِّئُ عنهُ هذهِ السِّكِّينَ الكبيرةَ مَخَافَةَ أنْ يُقطِّعَ بِهَا حبَّةَ طَمَاطِمَ فَيؤذِي نفسَهُ. هيَّا أعطنِي السِّكينَ الَّتِي معكَ كيْ أذهبَ بها إلَى صَاحِبَتِهَا”.
-“ولِمَ لَا أذهبُ بِهَا أنَا”؟!
-“أعطنِي السِّكِّينَ وكفاكَ أسئلةً”.
-“لنْ أُعْطِيَكِ إيَّاهَا. سأذهبُ بها أنَا إلَى “رْقِيَّة” كيْ أرَى حَفِيدَتَهَا “خَدُّوجْ” فهي جميلةٌ ووجهُهَا أبْيَضُ”.
-“أما قْلُتُ لكَ إِنَّ اٰلْوَقْتَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمُزَاحِكَ؟ هَيَّا أَعْطِنِي السِّكِّينَ وكَفَاكَ جِدالًا مَعِي. فمنذُ مَتَى كُنْتَ تُجَادِلُنِي فِي أمرٍ يَا مْحْمُودْ”؟!
-“ومنذُ متَى كنُتِ تَصْرُخِينَ فِي وجْهِي يا أُمِّي”؟
-“ها أنتَ تُجَادِلُنِي مرَّةً أخْرَى” !
-“حسنًا حسنًا يا أمي. خُذِي اٰلسِّكِّينَ وَهَدِّئِي منْ روعكِ.
سأذهبُ الآنَ كيْ أناولَ حِمَارِنَا الأشهبَ بعضَ التِّبنِ”. ثُمَّ غَادَرَهَا وَهُوَ يَقُولُ خَافِضًا صَوْتَهُ: ” أَمَّا أنْتِ يَا “خَدُّوجْ” “اٰلنّْوِيوِيرَة” فَسَأُفَكِّرُ فِي حِيلَةٍ كيْ أَلقَاكِ وأرَى وجهكِ الأبيضَ، فاطمئِنِّي يَا حَبيبتي ولا تَحْزَنِي” !
ومَا إنْ تجاوزَ عتبةَ بابِ المطبخِ، حتَّى وضَعَتْ أمُّهُ يَديْهَا علَى رأسِها مَصْدُومَةً، ثُمَّ شَرعَتْ تقولُ:
-“يَا وَيْلَتَاهُ ماذَا كُنْتُ سأفْعَلُ؟! يَا وَيْلَتَاهُ لوْ قتلتُ رْقِيَّة؟! أَيَّ جُرْمٍ كِدْتِ تَقْتَرِفِينَ يَا حَلِيمَة بنتَ أحمدَ؟! أينْ كانَ عَقْلُكِ؟! مَاذَا دَهَاكِ؟! أينْ شَطَحَ بِكِ خَيَالُكِ؟! لقد كانتْ “رْقِيَّة” بالسُّوقِ عِنْدَمَا ذَهَبَ “مْحَمّْدْ” إلَى بئرِ “ْلعَيْوْجْ” لِيَجْلِبَ لنَا الماءَ، فكيفَ سَتُسْقِطُهُ بِقَاعِهَا ولمْ تَكُنْ موجودةً بشَرقْاوةَ حِينَئِذٍ؟! وكيفَ سَتُسَمِّمُ زَوْجَكِ “سِّي لْمِيرْ” أيضًا وَ قَدْ صَارَتْ بَعِيدَةً عنهُ بعدمَا طَلَّقَهَا؟! وحتَّى لو أرادت التَّقَرُّبَ منهُ مرَّةً أُخْرى، كيفَ سيأكُلُ طعامًا من يدِهَا وهوُ اٰلَّذِي رَآهَا بِعَيْنَيْهِ وسَمِعَهَا بأذنيهِ تَتَوَعَّدُهُ بِاٰلْانْتِقَامِ جَرَّاءَ تَسْرِيحِهِ لهَا؟!. ليسَ ثَمَّةَ سِوی تفسيرٍ واحدٍ لجمِيعِ ما حدثَ معِي: إنَّ كلَّ ما رأيتُهُ في مَنَامِي لمْ يكنْ رؤيًا صادقةَ. بَلْ أضْغَاثَ أحْلَامٍ مُتَنَاقِضَةٍ، وكَوابِيسَ مُظْطَرِبَةٍ. وَالدَّلِيلُ أنَّ ولدِي “مْحَمّْدْ” أخبَرنِي في الحُلمِ الأوَّلِ أن قَدَمَهُ زَلَقَتْ بإِسْفَلْتِ اٰلبِئْرِ اٰلْمُبَلَّلةِ فَسَقطَ بِاٰلْقَاعِ ولم يُسْقِطْهُ أحدٌ. وفي الحلمِ الثاني قالَ لي إنَّ سُمَّ اٰلْأَفْعَى منْ كَانَ سببًا فِي وُقُوعِهِ بها. فَمَا كلُّ هذَا اٰلتَّنَاقُضِ اٰلصَّارِخِ اٰلْفَادِحِ اٰلْفَاضِحِ ؟ إِنَّهَا لَا تَعْدُو أنْ تَكُونَ أَضْغَاثًا مُضْطَرِبَةً مُتَضَارِبَةً. وهذَا أمرٌ عَادٍ، فَطَالمَا قَلبِي وعَقلِي ولسانِي يَلْهَجُونَ بِذِكْرِ اسمِ “مْحَمّْدْ” لَيْلَ نَهَار فِي يَقَظَتِي، فَسَأَرَاهُ – لَا مَحَالَةَ – في حُلْمِي أيْضًا. أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ. لقدْ شَطَحَ بِي خَيالِي بعيدًا٬ وظننتُ ب”رْقِيَّة” ظَنَّ اٰلسَّوْءِ، وَنَسيتُ أن بعضَ الظَّنِّ إثْمٌ. لقدْ كِدْتُ أقتُلُهَا وأتْرُكُ ذُرِّيَتِي لَطِيمَةً بَعْدَمَا صَارَتْ يَتِيمَةً. حَمْدًا وشُكْرًا لكَ يَا ربِّي إِذْ جَعَلْتَ وَلَِدي “مْحْمُودْ” سَبَبًا فِي نَجَاتِي منْ غَضَبِكَ وَسَخَطِكَ عَليَّ فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي. أَمَّا أَنْتَ يَا فِلْذَةَ كَبِدِي مْحَمّْدْ، فَلْيَرْحَمْكَ أَرْحَمُ اٰلرَّاحِمِينَ “.
ثمَّ خَرَجتْ بِسِكِّينِ اٰلْخُضَرِ منْ منزلِهَا صَوْبَ منزل “رْقِيَّة”، ومَا إن فتحتْ بَابَهَا حتَّى رأتْ “زهرة” زوجةَ ابنِها “اٰلشَّرْقِي” أَمَامَهُ جاءتْ تطلبُ السكينَ ذَاتَهَا، فَنَاوَلَتْهَا إيَّاهَا، وطلبتْ منهَا أن تُقْرِئَ حَمَاتَهَا اٰلسَّلَامَ، وَتَعتَذِرَ لَهَا عَنِ التَّأَخُّرِ في إِعْطَائِهَا سِكِّينهَا بِسَببِ انشغالِهَا بحادثِ سُقُوطِ وَلَدِهَا “مْحَمّْدْ” بالبئرِ..
يتبع
-ملاحظة :
-اَلْيَتِيمُ : فَاقِدُ اٰلأَبِ. -اَلْعَجِيُّ: فَاقِدُ الٰأُمِّ. -اَللَّطِيمُ: فَاقِدُهُمَا مَعًا.



