الرأي

حماقات ” دادا عبوش” متواصلة ومعها تتواصل الأحداث و تتسع دائرة المشتبه بهم في اختفاء الصبي” مْحَمّد”

لَهِيبُ-اٰلْاِنْصِرَامِ/ الحلقة : 26
عثمان العماري

جاءَ غبَشُ الصَّباح، فأيقظَ “اٰلْحَاجْ عْلَّالْ” ضيفيهِ. ثمَّ هيَّأتْ لهما زوجتهُ “لْكْنبُوشِيَّةُ” وجبة فطور شهيَّة، قوامها براد شاي، وخبزُ ذُرَةٍ ساخنٌ أخرجتهُ حِينًا من الفرنِ الطينيِّ: “بُوقَفْلَة”، يتطايرُ فوارُهُ من ثوبٍ رمادِيٍّ رطبٍ يقالُ له “لْڭْرّاصْ”، مَوْضُوعٌ بِ”طُبْڭٍ” مَصنوعٍ من نباتِ السِّمَارِ، وبجابنهِ صحنٌ طينِيٌّ صغيرٌ مملوءٌ سَمْنًا حَارًّا.

تناول الضّيفان فطورهما، فقاما سَائِرَيْنِ خارج منزل
“اٰلْحَاجْ عْلَّالْ”؛ الَّذي رافقهمَا قصدَ توديعهِما. فأجزلَ له “اٰلْحَاجْ عَبْدْ اٰلسّْلَام” شكرهُ وامتنانه على حُسنِ إكرامهِ ضيافتهما. بينما شَوَّهَتْ “دَادَا عْبُوشْ” فَمَهَا، ثمَّ شرعتْ تُحملِقُ فيهِ بِطرفِ عينها اٰلْحَوْلَاءِ مِنْ أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلى أعلَى رأسهِ. وخاطبتهُ مُوَبِّخَةً:
-” اَللهْ يْخْلِيهَا فِيكْ قَاعِيدَة يَا بْنْ شّْبُوقِي لَاخُرْ”.
فهَمَسَ “اٰلْحَاجْ عَبْدْ اٰلسّْلَامْ” في أذنه:
-“إن أختِي هَذِهِ تعاني من مرض النسيان الذي يقال له “زّْنَيْبْر”. فلا تعبأْ لكلامها يا صديقي”.
فأشفقَ صاحبُ البيت علیها، ولم يأخذْ تَقْرِيعَاتِهَا لهُ على مَحْمَلِ اٰلْجِدِّ. ثمَّ استمهلَ صديقهُ. ونادى زوجتهُ. فجاءتهُمْ علی عجلٍ حاملةَ قفَّة زرقاء بها قارورة ماء، وخبزتا ذرةٍ ساخنتان، وحفنة تمر، كي يَسُدَّ بِهِنَّ المسافرانِ رمقَ ظَمَئِهِمَا وَجُوعِهِمَا في الَّذي تبقى لهما من طريق صوب قرية “لْقْطَارْنَة”. فعانقتْهَا “دَادَا عْبُوشْ” وأجزلتْ لها الشُّكر. ثم قالتْ لها لَائِمَةً:
-“تي فِينْ كْنْتِي كَتْشُوفِي أََصْحَيْبْتِي مْلِّي خْتِّي دَاكْ لْمْعَوْقْبْ دْيَالْ رْوَيْجْلْكْ ؟ لَا زِينْ لَا مْجِي بْكْرِي. وْمْكْمّْلْهْا وْمْجْمّْلْهَا خَاشِي نِيفُو فِي شّْبُوقَات لِّي بْعِيدَة مْنُّو. ڭَ‍عْمَا يْسْتَاهْلْكْ أَخَّيْتِي. وَلَكِنْ مَعَدّْكْ مَدِّيرِي. لْفُولْ كَيْتّْعْطَا غِيرْ لِّي مَعَدُّو ضْرَاسْ شَايْ”.
فَأَسَّرَهَا “اٰلْحَاجْ عْلَّال” في نفسهِ. وغمزَ زوجتهُ كيْ لا تَرُدَّ عنْ كلامِها. ثمَّ أعادَا توديعَ ضيفَيْهِمَا اللَّذينِ أكملَا رحلتهما نحو القرية الغابرةِ، متجاوزيْنِ قرًى عديدةً: “وْلَادْ عْلِي”، “وْلَادْ مُومْنْ”٬ “وْلَادْ عْلَّالْ”، “وْلَادْ دّْلِيمْ”، “وْلَادْ سِّي طَّاهْرْ”، “وْلَادْ حْمِيتِّي”. وما كادت تُصْبِحُ الشمسُ في كبدِ السماء، حتَّى شارفَا على أعتابِ وادي “لْقْطَارْنَة”. فأبصرتْ “دَادَا عْبُوشْ” بجانبهِ شيخًا يَقْضِي حَاجَتَهُ تحتَ نخلةٍ باسقةٍ، وخلفهُ بغلةٌ بيضاءُ مربوطةٌ بجذعِ نخلةٍ أخْرى. فنزلتْ عَلى ظهر حِمارِها الأشهب بِهدوءٍ، ثمَّ مشتْ مُتَسَلِّلَةً على أطرافِ قَدَمَيْهَا نحوَ ظهرِ الشيخِ. وما إنْ أَنْهَی قَضَاءَ حَاجَتِهِ، وَرفَعَ سِرْوالهُ “لْقَنْدْرِيسِيَّ” اٰلْأَبْيَضَ، وحاولَ أنْ يُرْخِيَ عليهِ جِلبابهُ البيضاءَ، حتَّى أطبقتْ يديْهَا علَى عنقهِ.
و”غَلْسَمَتْهُ”. فلمْ يعرفْ ما الَّذي حلَّ بهِ ؟ وَطَفِقَ يَشْهَقُ حتّى سقطَ على ظهرهِ فوقهَا، فأسقطهَا علَى عَيْنِ قَفَاهَا أَرْضًا. لكنّها ظلَّت مُحكمةً قبضةَ يديهَا على عنقهِ. ثمّ خاطبتهُ لَاهِثَةً:
-“لنْ أدعكَ تفلتُ منْ قبضتي أيّها اللِّصُّ خاطفُ الصِّبيانِ”.
فردَّ عنها بعدمَا زَحْزَحَ يديهَا عنْ عنقه قليلًا:
-“أطلقي عُنقي أرجوك. فإنّكِ ستزهقين روحي”؟
-“إذا لم تُعِدْ لِي ابنَ أخُتِي سأزهِقُهَا حَتْمًا”؟
-“أطلقي عنقي يا هذه. فإنَّني لمْ أخطفْ أحدًا. هل أنتِ حمقاءُ” ؟!
-“الحماقةُ أن تبقى حَيَّا أيُّها المجرمُ”.
ثمِّ حاول أن يرفع يديها عن عنقه مرَّاتٍ عديدةً. لكنَّ كلَّ محاولاتهِ باءَتْ بالفشل. فمَا كانَ منهُ إلَّا أنْ لَكَزَ بَطْنَهَا بِمِرْفَقِ ذراعهِ اليُمْنَی حَتَّی “زَوَاهَا”. فأطلقتْ عُنُقَهُ مُرغمةً. وأمسكتْ بطنها صائِحةً مُجْبَرَةً:
-“وَاكْ وَااكْ أَخُويَا عْبِيسْلَامْ عْتَقْ اٰلرُّوحْ. رَاهْ لْكَافْرْ باٰلَّلهْ قْتْلْنِي”.
فلبَّى أخُوها نداءها. ثمَّ أقْعَدَهَا أرضًا. في حين حاولَ الشيخَ النهوضَ و الفرارَ. لكنْها انتبهت له. فَطَوَّقَتْ قوسَ عكُّازهَا عَلی ساقهِ اليسری وَجَرَّتْهُ مِنْهَا حَتَّی كَادَتْ تُكَرْبِعُهُ. ثمَّ شرعتْ تقتربُ منه شيئًا فشيئًا وَيداهَا ممسكتان بعصَا عكَّازها. حتّی إذا بَلَغَتْ سَاقَيْه، أطلقت العكاز، وأمسكت لحم الساقين، ثمَّ أطبقتْ على كل واحدة منهما، ظُفْرَيْ سَبَّابَةِ وَإِبْهَامِ يديهَا اٰلْخَشِنَتَيْنِ، حتَّى نَقَّزَ مَوجوعًا مَلْسُوعًا. وخَتَمَتْ كُلَّ ذَلِكَ بِعَضَّةٍ تَحْتَ سَاقِهِ اليُمْنَی كعَضَّةِ كلبةٍ مسعورةٍ، حتَّى تركتْ بهَا ندُوبًا غائرةٍ. وَلَوْلَا أنْ سقطَ طقمُ أسنانهَا الصناعيَّةِ، لَخَرَطَتْ كلَّ جسدِه مثلما يَخْرِطُ نباتُ “شَوْكِ اٰلْحِمَارِ” الأرجُلَ والسِّيقَانَ. فأمسكها أخُوها ثمَّ جرَّها خلفَ ظهرِه وَنَهَرَها:
-“كُفِّي عن حماقاتكَ يا عْبُوشْ، فالرَّجلُ لمْ يخطف ابنَ أختنا”.
-“وما أدراكَ أنَّه لم يخطفهُ. هل تعرفهُ” ؟
-“بَلَی. فهوُ من قرية “اٰلصّْقَاقْلَة” الَّتي بِتْنَا بها ليلةَ أمسِ، وسبقَ أنْ بنيتُ لهُ بيتًا بهَا”.
فخجِلتْ، ثم التقطتْ عَمَامَة الشَّيخِ الصفراءَ الَّتي سَقَطْتْ مِنهُ أرضا أثناءَ عراكِهمَا، وَذَهَبَتْ بِهَا نَحْوه، ثمَّ شرعتْ تُرَتِّبُهَا على رأسهِ. وهي تقولُ لهُ:
-“لا تَؤَاخِذْنِي أيُّها “زّْغَيْبِي”. لقدْ كنتُ أمازحكَ فقط”.
فردَّ عنْها لاهِثًا:
“أهذَا كُلّهُ مُزاحٌ عِنْدَكِ؟ فَكَيْفَ سَيَكُونُ جِدُّكِ إذًا” ؟!
فأعادتْ تشويهَ العمامةِ فوقَ رأسِهِ. ثمِّ خاطبتهُ غاضِبَةً:
-“كيفَ تَسُبُّ جَدِّي أيُّها اللَّعينُ. سأُلحقُكَ بهِ الآنَ” ؟!
ثم حاولتْ أن تُكملَ ما بَدأتهُ. لكنَّ أخاهَا أمسكَ بها مرة أخرى وجرّها خَلف ظَهْرهِ. ثمَّ خاطبَ الشّيخ:
-“أعتذرُ منكَ نيابةً عن أخْتِي أيُّها “اٰلشِّيخْ بْرَاهِيمْ””.
وهمس في أذنه:”إن أختِي هذهِ فقدتْ عقلهَا بعدما توفي زوجُهَا”.
فقبل الشّيخ اعتذارهُ. بل رَقَّ قلبهُ لحالِ أختهِ. ثم جهر بصوت عميقٍ: “هكذَا يكونُ وفاءُ الزوجةِ لزوجها، وَإلَّا فَلَا”.
ثم ركِبَ بغلته اٰلْبيضاءَ، وعادَ صوبَ قريةِ “اٰلصّْقَاقْلَةِ” يتحسَّسُ وجعَ ضُلُوعِهِ، وَيَكْتُمُ أَنِينَهُ.
يتبع
-ملاحظة:
كَلِمَتَا “تَكَرْبَعَ” وَ “نَقَّزَ” عربيتان فصيحتان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق