نقطة ضوء : بائعات الخبز بسطات قصة سيدات يكافحن في صمت من أجل أبنائهن

نقطة ضوء لهذا الاسبوع تجرنا للقفز فوق سياج منيع مثخن بالخصوصيات، لتسليط الضوء على قصص انسانية طيّ الكتمان، والغوص في اعماق كفاح مواطنات “سطاتيات” أثرن إلا أن يساعدن أسرهن للرفع من مستواهن المعيشي، وسط معاناة أشبه ما تكون بارتكب جرم دون نية احداثه، هن نساء كلمات الرضا والقناعة تجري على ألسنتهن، و ابتسامتهن تغطي وجوههن، ولكن ما إن تغوص في تفاصيل حياتهن، حتى تعرف أن هذه الابتسامة وتلك الكلمات ما هي إلا ستارا لقصة معاناة اسمها “بائعات الخبز” في سطات.
هن أرامل، مطلقات، وعازبات، وجدن أنفسهن تحت طائلة تدني الأوضاع المعيشية، بين مطرقة تربية أطفالهن و سندان توفير احتياجاتهم، نساء فقدن شيئاً من صحتهن ونظارتهن المعهودة، لكنهن بالمقابل وبعزيمة فولاذية، كسبن عزة النفس والكبرياء من أجل تربية وتعليم أولادهن، فقرّرن الخروج إلى السوق ومزاحمة الرجال بمشاريع ذاتية بسيطة، لبيع الخبز و”الرغايف” و”البغرير” ومختلف أنواع الفطائر، معتمدات على انفسهن وكسب العيش من عرق الجبين، بدلاً من دقّ أبواب الذل والعار، رافعات شعارات الصمود والقوّة، وكفاح المرأة السطاتية من أجل العيش بكرامة، ولو تطلب الأمر مكوثا لساعات طويلة في الأزقة وعلى جنبات الرصيف
نساء تستيقظن باكرا في الخامسة صباحا، تعجن وتُخمِّرن وتذهبن به نحو الفرن، ثم تعرجن به صوب زنقة الذهيبية المكتظة بالمتسوقين القادمين من عموم احياء مدينة سطات حيث تكثر حركة البيع والشراء، وحيث يصبح لبيع الخبز والعجائن مكان ضمن قائمة متطلبات الحاجيات اليومية لسكان المدينة، تارة تحت هجير أشعة الشمس الحارقة، وتارة اخرى تحت لسعات البرد القارس، ولساعات طويلة تقتعد بائعات الخبز والبغرير ومختلف الفطائر كراسي خشبية حول موائدهن الهشة بكبرياء وأنفة، مرفوعات الرأس شامخات، تحاربن شبح الجوع والفاقة، بغية كسب دريهمات معدودة لتوفير العيش الحلال ووقاية أفراد أسرتهن من ذلّ الإحتياج وسؤال الغير.
وللاقتراب اكثر من هذه المهنة التقليدية، وحتى يتسنى لرواد جريدة “كازبلانكا الان” معرفة في أي بقعة داخل هذا العالم كم هن عظيمات السطاتيات، هؤلاء النسوة اللواتي يقتلعن الفرح من رحم الألم بقطعة خبز، سألت “كازبلانكا الان” احدى ممتهنات بيع الخبز بسطات، “مي صالحة” المرأة الحديدية التي أجابت بكل عزّة نفس وكبرياء قائلة «ليس عيباً أن أبيع الخبز في سوق مزدحم بالرجال، ولكن الأمر المعيب هو التخلي عن زوجي وأطفالي في هذه الظروف، فأنا اعمل لمساعدة زوجي في توفير احتياجات أطفالنا، وإيجار منزلنا المتواضع الذي نسكنه بحي شعبي، عن طريق بيع الخبز البلدي، لقد فقد زوجي دخله الشهري ووظيفته، فاخترت الكفاح واقتحام سوق بيع الخبز حتى “يفرّجها الله” مضيفة “مي صالحة” إن بعض الزبائن يضاعفون هذه المعاناة، يأتون من أجل المعاكسة والتضييق، مما يضطرنا في بعض الأحيان للالتجاء إلى أصحاب الدكاكين المجاورة لطلب العون والمساندة، ولكن هناك بعض الزبائن المحترمين الذين يقدرون عملنا، وتمثل كلمات الإطراء التي نسمعها منهم، دافعا لنا من أجل الاستمرار في مواجهة الصعاب، خاتمة كلامها بالقول “الناس طوب وحجر هاحْنا صابرين عْلى وُدْ طرْف دْيالْ الخبز”.
إن هؤلاء النسوة المتخبطات بين عجين الخبز وطهيه، وبين نظرات المجتمع، تحدين الظروف الاقتصادية وقررن البحث عن الرزق وإن كان شحيحاً، نساء دفعتهن الحاجة والعوز على افتراش الأرض بحثا عن لقمة العيش لهن ولأفراد أسرهن، في ظل التعثر المسجل على مستوى المشاريع التنموية_الاقتصادية وتفشي البطالة بمدينة سطات.



