البيضاء: لقاء ثقافي حول لوحة “انتصار الربيع” للفنان “ساندرو بوتتشيلي” بكلية الأداب بن مسيك

كان طلبة شعبة التاريخ والحضارة بكلية بنمسيك بالدارالبيضاء، على موعد يوم الثلاثاء 26 فبراير المنقضي، مع فعاليات لقاء ثقافي، يتمحور موضوعه حول لوحة فنية لفنان عصر النهضة الأوربية “ساندرو بوتتشيلي” وتعرف هذه اللوحة باسم انتصار الربيع.
وقد نشط فعاليات هذا اللقاء الثقافي، كل من المصطفى نادي وعبد الكريم لعروسي وأيوب الأجدي، الذين قسّموا موضوع هذا اللقاء إلى عدّة محاور، موزعة مابين ورقة تقديمية والتعريف بمدينة فلورنسا، وبمبدعها “بوتتشيلي” وبلوحته انتصار الربيع، بالإضافة إلى محاور أخرى مرتبطة بالموضوع .
وقد استهل هذا اللقاء للحديث عن عصر النهضة، الذي عاش فيه “بوتتشيلي” هذا العصر الذي تميّز بنهضة فنية متميزة، برز فيها فنانون كبار من أمثال “ليوناردو دافنشي” و”مايكل أنجلو” وغيرهم .
وأفرد العرض المقدم من الطلبة، مساحة واسعة للحديث عن صاحب اللوحة السالفة الذكر والبيان المولود سنة 1445 م والمتوفى سنة 1510م والذي على الرغم من فقره، وعوزه وبساطة عائلته، وقلة تعليمه، إلاّ أن ذلك لم يمنعه من إبراز موهبته الفنية، في الرسم التي ساهم في إبرازها عمله في البداية في ورشة لصياغة الذهب، التي أثرت في أسلوب عمله الفني، على مستوى دقة الخطوط والأشكال التي ميّزت لوحاته الفنية.
وشكّل التحاق “بوتتشيلي” بورشة “فيليبو ليبي” في الرسم، قفزة نوعية في مساره الفني ومحطة مهمة في مساره الإبداعي، تمخض عنها ولادة أعمال فنية متميزة مثل لوحة تبرز مشاهد مريم العذراء La vierge Marie ” والتي تميزت بتقنيات تعامله الجيد مع الألوان وإبراز الشخصيات .
وقد تطور مسار هذا الفنان عندما غادر “فلورنسا” وافتتح مرسما باسمه للتعريف بأعماله وإنتاجاته في عالم الفن، وتوالت لوحاته بعد ذلك إتباعا، مثل لوحة عبادة المجوس l’adoration des mages ذات البعد الديني، الذي ميّز مشاهدها وأيضا لوحته الشهيرة القوة La force وغيرها، وازداد شهرة أكثر عندما تقرّب من عائلة “مديتشي” الشهيرة، حيت ستتقاطر عليه طلبات متعددة ومتنوعة لانجاز لوحات للسيدة العذراء وجداريات مختلفة، كانت العائلات الارستقراطية “الفلورنسية” التي عاصرت القرن الخامس عشرة، تتوق إلى تذوق التحف الفنية برؤيتها الإنسانوية للعالم الذي يتجاوز الرؤية الضيقة للكنيسة.
وأجمعت مداخلات الطلبة المختلفة، على أن لوحة “بوتتشيلي” موضوع العرض، تعتبر من أكثر اللوحات شهرة ضمن انتاجات هذا الفنان، الذي أضفى عليها غموضا وجاذبية لم يتم الوقوف على مغزاها إلى الوقت الراهن؛ بسبب قربها من الخيال أكثر من الواقع والذي اتّسم ببعد أسطوري، معزز بمعارف الفنان في مجال العلوم الإنسانية من فلسفة وتاريخ وغيرهما ،مما أبقى مغزى ومعنى هذه اللوحة غامضا، يتقبل أكثر من تأويل، فمنذ رسمها عام 1482، وهي تحوي الكثير من المعاني الخفيّة، حاول كثيرون كشف لغزها، والنتيجة كانت تعدّد التفسيرات، التي قد لا يكون أيّ منها صحيحًا، فلا يمكننا اليوم أن نعرف بالضّبط ماذا قصد “بوتيتشيلي” أن يقول لنا من خلال لوحته، لذا تبقى كلّ التفسيرات مجرّد احتمالات. وتظهر باللوحة شخصيّات الأساطير الوثنيّة بشكل بارز. والحكاية فيها، ترمز إلى التناغم بين الطبيعة والإنسانية، ولها شهرة عالمية واسعة جدا اختلطت فيها الأساطير اليونانية بالصور المجازية، وروايات الحب العذري بقصائد العشق “النابوليتاني” وتظهر في اللوحة ست إناث وذكران وملاك صغير معصوب العينين في حقل برتقال بزمن الربيع. وعلى اليمين امرأة مكللة بالورود، تنثر الورود في حجرها ووراءها امرأة برداء شفاف، تحاول الهرب من الرجل الطائر الذي خلفها…
ولم يقتصر المنشطون لفعاليات هذا اللقاء الُثقافي بامتياز على التعريف فقط بلوحة انتصار الربيع، بل تطرقوا أيضا للوحات أخرى لنفس الفنان، مثل لوحة البهتان التي تصور ثلاثة نساء، يمثلن الزور والبهتان والخداع، يقودهن رجل رث، ممزق الثياب، يسحبن ضحية عارية من شعرها للمحكمة، التي يجلس فيها قاض ركبت في رأسه أدنا حمار، تقدم له النصح امرأتان تمثلان الريبة والجهل، ويتأهب للانصياع لغضب الجمهور المتعطش لسفك الدماء، فيحكم بإعدام الرجل الآثم ،والى اليسار يُرى الندم متشحا بالسواد ويُنظر في آسى وحسرة إلى الحقيقة العارية، ترى هل قٌصد بالضحية أن تمثل “سنفرولا” الذي شنق وأحرق في عام 1498م .
وتم التطرق أيضا للوحة أخرى لهذا الفنان و تحمل اسم الميلاد La naissance والتي تعود فيها سيدات الربيع في صورة ملائكة ذات أجنحة، ترحب بهذا الميلاد المعجز المنقذ وقد وظف مبدعها تعبيرا “ميتافيزيقيا”، حيث تتوسط اللوحة آلهة الحب والجمال في مشهد يجسد خروجها للكون، من خلال قوقعة ذهبية تتجاذبها الرياح، رياح “زافيروس”إله الريح .
واختتمت فعاليات هذا اللقاء الثقافي بمداخلات متنوعة ومتعددة من طرف الحضور من الطلبة، الذين أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع، المتعلق “بساندرو بوتتشيلي” وفناني عصر النهضة الأوروبية .
لوحة من إبداع الفنان “ساندرو بوتتشيلي”






