المجتمع

في عهد حكومة رفعت شعار الدولة الاجتماعية.. عمال الإنعاش الوطني يشيخون في صمت


كازابلانكا الآن
وسط الركام، بالشوارع و جنبات المؤسسات العمومية، ومداخل الأحياء، تجدهم حاضرين كظل الوطن،تحت أشعة شمس حارقة، يشتغلون بصمت، دون ضمانات أو تغطية صحية، يكدّون في خدمة المرفق العام، لكن لا أحد يلتفت لمعاناتهم. إنهم عمال الإنعاش الوطني، الفئة المنسية في سجل السياسات العمومية، الذين يستيقظون كل يوم على أمل، وينامون على وجع.

يتقاضى عمال الإنعاش الوطني أجورًا هزيلة لا تتجاوز في كثير من الحالات 1,600 درهم شهريًا، مبلغ بالكاد يكفي لسد رمق أسبوع في ظل الارتفاع المهول لأسعار المواد الأساسية، وغلاء الكراء، وتكاليف التطبيب. ورغم الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات والمواد الغذائية، لم تعرف أجور هذه الفئة أي تحسن، كأنهم يعيشون خارج الزمن الاقتصادي للمغرب.

يخضع هؤلاء العمال لنظام تشغيل ” استغلاله”، مؤقت وهش، دون عقود عمل قانونية، ولا حماية اجتماعية، ولا حق في التقاعد، ولا عطلة سنوية مؤدى عنها. عمال بلا هوية إدارية واضحة، وغالبًا ما يُدرجون ضمن ميزانيات الجماعات المحلية أو الإدارات المركزية كمصاريف جزافية أو “مؤقتة”، مما يجعلهم عرضة للطرد أو التهميش في أي لحظة، دون أي تعويض، بل لا يُسمح لهم حتى بقول كلمة ” أح”، وبات الألم يجد طريقه لهم دون أي رادع ولا وجل.

في قلب العاصمة الاقتصادية، وقفت الجريدة على مشهد/ صورة مؤثرة لشيخ تجاوز الستين، يجلس منهكًا على حافة رصيف بعد ساعات من العمل بفأسه وسط شارع صاخب. جسده الهزيل المنحني، وملامحه المرهقة، تلخص حكاية أعمار تُستنزف دون مقابل. لا أحد التفت له، لا مسؤول، لا منتخب، ولا قانون يضمن له حقًا بسيطًا في الراحة أو الرعاية.

وفي مشهد آخر، أكثر قسوة، شوهد شيخ آخر وهو يتوغل وسط أكوام من أنقاض بنايات هُدمت لتوِّها. بلا خوذة، بلا قفازات، ولا أي معدات وقاية، يبحث وسط الركام عن بقايا معدنية أو مهام تنظيف مكلّف بها. يغامر بحياته يوميًا، في بيئة مميتة، مقابل فتات أجرة، ووعود مؤجلة لا تأتي أبدًا.

لا تقتصر المعاناة على البُعد المادي فحسب، بل تتعداه إلى أبعاد صحية ونفسية خطيرة. فقد أظهرت شهادات كثيرة لمشتغلين ضمن هذا النظام، أنهم يعانون من أمراض مزمنة نتيجة الإجهاد المتواصل، وسوء ظروف العمل، وانعدام الرعاية الصحية. أما المعاناة النفسية، فحدث ولا حرج؛ شعور بالإقصاء، بالظلم، باللاجدوى… كلها أحاسيس تجعلهم يقفون على حافة الانهيار، ومع ذلك يكنزون معاناتهم بدواخل نفوس أرهقها التعب و تتعفف عن الشكوى.

فبعد نجاحها في الانتخابات الأخيرة وقيادتها للتحالف الثلاثي، رفعت حكومة عزيز أخنوش شعار الدولة الاجتماعية، وتحدثت عن إصلاحات كبرى شملت قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، بغظ النظر عن مدى نجاحها من عدمه. لكن الغريب أن هذه “الدولة الاجتماعية” لم تشمل عمال الإنعاش الوطني، وكأنهم لا يدخلون في تصنيف المواطنين الذين تستحق أوضاعهم تحسينًا. لا حديث عن إدماجهم، ولا عن مراجعة أجورهم، ولا عن فتح حوار حقيقي مع ممثليهم، بل يُستعملون كأدوات انتخابية، يتم التودد إليهم كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع، ثم يُنسون من جديد.

عمال الإنعاش الوطني ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم أحد أذرعها الخفية التي تضمن استمرارية المرافق في ظروف صعبة. إن كرامتهم المهدورة يجب أن تكون أولوية في أي مشروع مجتمعي حقيقي، لا أن يُتركوا يشيخون في صمت، على مقاعد الحدائق أو وسط الأنقاض، يتوسدون خيباتهم، وينتظرون وعدًا لا يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى