الرأي

المرفق العمومي بالدار البيضاء.. حينما تتحول الممتلكات الجماعية إلى إقطاعيات خاصة


بقلم: ياسين حدوي
يفترض في العمل الجمعوي أن يكون الرافعة الاستراتيجية للتنمية المحلية، والركيزة الصلبة التي يبنى عليها صرح الديمقراطية التشاركية في مغرب القرن الحادي والعشرين. غير أن المتأمل في واقع تدبير الشأن المحلي ببعض مقاطعات مدينة الدار البيضاء، يصدم بتفشي ممارسات ريعية بائدة، تضرب في العمق جوهر المرفق العام، وتكرس لثقافة الزبونية والمحسوبية التي اعتقدنا أن بلادنا قد قطعت معها بغير رجعة في ظل الدستور الجديد والنموذج التنموي الذي ينشد القطع مع ممارسات الماضي.
إن ما نشهده اليوم من سلوكات صادرة عن بعض رؤساء المقاطعات، والمتمثلة في فتح أبواب المركبات الإدارية والثقافية، وتسخير اللوجستيك العمومي وحافلات التنقل لجمعيات مختارة بعناية على مقاس الولاءات السياسية والمصالح الانتخابية الضيقة، مقابل إيصاد هذه الأبواب ووضع العراقيل البيروقراطية أمام فعاليات مدنية جادة ومستوفية لكافة الشروط القانونية، ليس مجرد هفوة تدبيرية أو سوء تقدير عابر، بل هو شطط صريح في استعمال السلطة وانحراف خطير عن الأهداف التي أحدثت من أجلها هذه المؤسسات المنتخبة. إننا أمام مشهد يسعى فيه البعض إلى تحويل الممتلكات الجماعية التي هي ملك للمواطنين، إلى “غنائم” انتخابية يتم توزيعها كصكوك ولاء.
وعلى كل مسؤول منتخب، استأمنه المواطنون على تسيير شؤونهم، أن يدرك يقينا، قانونا وأخلاقا، أن القاعات والملاعب والحافلات ليست هبات يوزعها من كيسه الخاص، وليست ملكية موروثة يتصرف فيها بمزاجه الشخصي، بل هي أصول وممتلكات عمومية ممولة بالكامل من جيوب دافعي الضرائب. إن تحويل هذه الوسائل إلى أدوات لاستمالة الأصوات أو مكافأة الموالين ومعاقبة المعارضين وتهميشهم، يعد خرقا سافرا لمبدأ المساواة أمام المرفق العمومي الذي كفله الدستور المغربي، ومساسا مباشرا بهيبة الدولة ومؤسساتها التي يجب أن تظل فوق كل الصراعات الحزبية الضيقة.
إن حرمان جمعية فاعلة، تشتغل في الميدان وتلامس قضايا الساكنة، من فضاء لتأطير الشباب أو حافلة لنقلهم في أنشطة تربوية أو رياضية، لا يمثل عقابا لشخص رئيس الجمعية أو مكتبها المسير، بل هو في حقيقته عقاب جماعي لساكنة المنطقة، وحرمان لأبناء وبنات الأحياء الشعبية من فرص التفتح والإبداع. هذا التمييز الممنهج يساهم في وأد الكفاءات، ويفتح الباب على مصراعيه أمام بروز “جمعيات المناسبات” و”كائنات الريع” التي لا تظهر إلا في المواسم الانتخابية لتلعب دور الكومبارس السياسي، مما يفرغ العمل الجمعوي من محتواه النبيل ويحول التنمية المحلية إلى مجرد شعار أجوف يستهلك في التقارير الرسمية فقط.
إننا نؤكد وبكل حزم، ومن باب المسؤولية الوطنية، أن هذه السلوكيات الإقصائية والمتسلطة تأتي **ضدا في التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده**، الذي وضع خارطة طريق واضحة وجريئة لإصلاح الإدارة وجعلها في خدمة المواطن، وشدد في أكثر من خطاب سام على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق الحياة العامة. إن جلالته دعا مرارا إلى الارتقاء بعمل المؤسسات المنتخبة لتكون في مستوى تطلعات “الدولة الاجتماعية”، لا أن تتحول إلى عائق أمام التنمية. إن أي تلاعب بممتلكات المرفق العام لخدمة أجندات حزبية هو ضرب صارخ للنموذج التنموي الجديد، واستهتار بالرؤية الملكية المتبصرة التي تضع المواطن والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص فوق كل اعتبار.
لذلك، فإننا اليوم، ومن قلب العاصمة الاقتصادية، نرفع الصوت عاليا لنطالب بوقف هذا العبث التدبيري الذي يسيء لصورة المؤسسات. إن الحل يبدأ بتبني حكامة رقمية شفافة، عبر اعتماد دفاتر تحملات صارمة ومعلنة للعموم تحدد شروط استغلال المرافق العمومية، مع ضرورة رقمنة طلبات الاستفادة لقطع الطريق أمام “المزاجية” والتدخل البشري الذي يغذي الفساد الإداري ويفتح بابا للرشوة والولاءات. كما نناشد سلطات الوصاية، وعلى رأسها السيد والي جهة الدار البيضاء سطات وعمال المقاطعات، وكذا المجلس الجهوي للحسابات، لتفعيل أدوارهم الرقابية الصارمة، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استغلال آليات الدولة لغايات شخصية أو انتخابوية ضيقة.
إن زمن الإقطاعيات الإدارية قد ولى، والمغرب اليوم يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ دولة الحق والقانون، ولن يسمح المجتمع المدني الحي بأن يظل رهينة لعقليات ترى في المنصب وسيلة للتسلط لا خدمة للمواطن. سيظل العمل الجمعوي الحر والجاد عصيا على التدجين، وسنظل مرابطين في خندق الدفاع عن دمقرطة الولوج للمرفق العمومي، لأنها معركة كرامة ومواطنة حقيقية. إن فضح هذه الممارسات هو جزء لا يتجزأ من نضالنا من أجل مغرب المؤسسات، وتماشيا مع الإرادة الملكية السامية التي تطمح لبناء مغرب يفتخر به كل أبنائه، مغرب تسوده العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بعيدا عن منطق الريع والمحسوبية.

تنويه:
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف الجريدة أو خطها التحريري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى