رقمنة التمويل الحزبي.. وزارة الداخلية تنهي عصر “المنشورات الورقية” وتشرعن معارك الفيسبوك والتريند

الدار البيضاء – بقلم ياسين حدوي
في خطوة تعكس وعيا عميقا بالتحولات الجذرية التي طرأت على الفضاء العام والسياسي أفرجت وزارة الداخلية عن مشروع مرسوم جديد يستهدف مراجعة القواعد المنظمة لاستعمال مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية وتأتي هذه المبادرة التشريعية لتعديل وتتميم المرسوم رقم 2.16.667 الصادر في غشت 2016 لترسم معالم مرحلة جديدة تقطع مع الطرق التقليدية في التدبير المالي والانتخابي وتضع الأحزاب أمام مسؤولياتها في العصر الرقمي.
إن المتأمل في مقتضيات هذا المشروع يدرك أن الرهان الأساسي يتجاوز مجرد تبسيط المساطر الإدارية أو مراجعة الآجال بل يمتد لشرعنة الفعل التواصلي الرقمي فبعد سنوات من الضبابية التي كانت تلف نفقات الإعلانات الممولة عبر منصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية جاء هذا التعديل ليعترف رسميا بهذه المصاريف كجزء لا يتجزأ من الكلفة المشروعة للحملة الانتخابية وهذا التحول ليس ترفا تقنيا بل هو استجابة لواقع يفرض نفسه حيث لم تعد اللقاءات الجماهيرية والمنشورات الورقية هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الناخب بل أصبح الفضاء الافتراضي هو الساحة الحقيقية لصناعة الرأي العام وتوجيه القناعات السياسية.
ومن الجوانب الجوهرية التي حملها المشروع الجديد نجد الحرص على تحسين جودة النخبة السياسية من خلال ربط التمويل العمومي بمدى قدرة الأحزاب على الانفتاح على الكفاءات والشباب والنساء فالدولة من خلال هذه التعديلات لا تقدم شيكا على بياض بل تضع محفزات مالية تهدف إلى تطوير المشهد السياسي وضمان تمثيلية أوسع للفئات التي كانت تكتفي في السابق بأدوار ثانوية إنها محاولة جادة للانتقال من منطق التمويل من أجل التمويل إلى منطق التمويل من أجل التجويد السياسي وتعزيز النجاعة في ممارسة الفعل الديمقراطي.
أما على المستوى الرقابي فإن مشروع المرسوم يشدد الخناق على أوجه الصرف غير المبررة حيث وضع قائمة دقيقة للمصاريف القابلة للتعويض مع إلزام الأحزاب بتقديم مستندات إثبات تتماشى مع المعايير المحاسباتية الحديثة وهذا المقتضى ينسجم تماما مع التوصيات المتكررة للمجلس الأعلى للحسابات الذي ما فتئ ينادي بضرورة تخليق التمويل الحزبي وضمان صرف المال العام في الأغراض التي رصد له من أجلها ومن شأن هذه الصرامة التنظيمية أن تعيد الثقة للمواطن في العمل الحزبي وتنهي حقبة كانت تتسم ببعض الفوضى في تبرير نفقات الحملات.
ولا يمكن إغفال الأثر الإيجابي لتنظيم نظام التسبيقات المالية وتوضيح آجال إيداع الجرود المالية حيث يمنح هذا الأمر للأحزاب السياسية وضوحا في الرؤية المالية قبل دخول غمار الانتخابات مما يقلل من الفوارق المادية بين الأحزاب الكبرى والصغرى ويجعل المنافسة ترتكز أكثر على البرامج والأفكار بدلا من القدرة على التمويل الذاتي.
ختاما يمكن القول إن مشروع هذا المرسوم يمثل لبنة أساسية في ورش الإصلاح السياسي الذي يقوده المغرب فهو يوفق بين ضرورة الحداثة الرقمية ومتطلبات الحكامة المالية وإن نجاح هذا النص القانوني يبقى رهينا بمدى استيعاب الأحزاب السياسية لهذه التحولات وقدرتها على تطوير أجهزتها التحتية لمواكبة متطلبات الشفافية الرقمية والمحاسباتية فالمستقبل السياسي لم يعد يبنى في المكاتب المغلقة بل في فضاءات التواصل المفتوحة وتحت أعين المؤسسات الرقابية اليقظة.



