المجتمع

حصيلة الحكومة …حين تتحول الأرقام إلى رواية سياسية!


حين قدّمت الحكومة حصيلتها بلغة الأرقام، بدا وكأننا أمام عرض سياسي مُحكم الإخراج أكثر مما نحن أمام تقييم موضوعي لمرحلة حكومية كاملة. أرقام ضخمة، نسب مرتفعة، ومؤشرات متفائلة تُقدَّم في صيغة تراكمية توحي بالنجاح، لكنها تفقد الكثير من معناها حين تُفكَّك خارج الإطار التواصلي الذي وُضعت فيه.

الإشكال هنا ليس في استعمال الأرقام، بل في تحويلها إلى “غطاء سياسي” يُخفي الفجوة بين ما هو مُعلن وما هو مُنجز فعليًا. فجزء مهم من هذه الحصيلة لا يتحدث عن نتائج نهائية، بل عن مشاريع تمت المصادقة عليها أو وعود استثمارية أو توقعات مستقبلية، أي أننا أمام اقتصاد “على الورق” بقدر ما نحن أمام اقتصاد واقعي.

في ملف الاستثمار، يتم تقديم مئات المشاريع المصادق عليها، بمبالغ مالية ضخمة، مع وعود بخلق مئات الآلاف من مناصب الشغل. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: المصادقة ليست تشغيلًا، والنية الاستثمارية ليست وظيفة، والوعود ليست واقعًا معاشًا. الفرق بين هذه المستويات هو الفرق بين خطاب سياسي وبين واقع اجتماعي يعيشه المواطن يوميًا.

والمفارقة أن المؤسسات الإحصائية الرسمية، وعلى رأسها المندوبية السامية للتخطيط، ترسم صورة أقل بريقًا بكثير. أرقام محدودة في إحداث مناصب الشغل، وبطالة ما تزال في مستويات مرتفعة، ما يعني أن “مغرب الفرص الموعودة” لا يجد ترجمته في سوق الشغل بنفس الوتيرة التي يُقدَّم بها سياسيًا.

بعبارة واضحة: الحكومة تتحدث عن اقتصاد يخلق فرصًا، بينما الواقع الإحصائي يتحدث عن اقتصاد لا يزال عاجزًا عن امتصاص البطالة.

الأمر لا يختلف كثيرًا في ملف النمو. الخطاب الحكومي يميل إلى تقديم صورة اقتصاد صامد ومتقدم، بينما تقارير مؤسسات مستقلة تتحدث عن نمو موجود لكنه محدود، لا يحمل في طياته أي تحول بنيوي حقيقي. أي أن ما يُقدَّم كـ”نجاح اقتصادي” هو في الحقيقة تحسن نسبي داخل سقف منخفض، لا أكثر.
وفي الاستثمار الأجنبي، رغم وجود مؤشرات إيجابية فعلية، يتم تضخيم هذا التحسن أحيانًا ليُقدَّم كدليل شامل على نجاح النموذج الاقتصادي. بينما الحقيقة أن تدفقات الاستثمار، مهما ارتفعت، لا تتحول تلقائيًا إلى عدالة اجتماعية أو إلى تحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين. وهنا بالضبط يبدأ الخلط السياسي بين “جاذبية الاقتصاد” و”فعالية التنمية”.

أما الاستثمار العمومي، فهنا يظهر منطق آخر أكثر إشكالًا: منطق تضخيم الأرقام دون مساءلة الأثر. ارتفاع الميزانيات المرصودة لا يعني بالضرورة تحسنًا في الخدمات أو خلقًا للدينامية الاقتصادية المنتجة. السؤال الحقيقي ليس كم نصرف، بل ماذا نُنتج من هذا الصرف؟ وهذا السؤال بالذات يظل غائبًا عن الخطاب الرسمي.

وفي ما يخص الصادرات الصناعية، يتم تقديم أرقام النمو كعلامة نجاح، لكنها تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا: نمو لا ينعكس بشكل كافٍ على التشغيل أو على رفع الأجور أو على تقليص الفوارق الاجتماعية. أي أننا أمام اقتصاد يصدر أكثر، لكنه لا يُوزّع أثر هذا التصدير بشكل عادل.

لكن أكثر ما يكشف هشاشة هذا الخطاب هو ملف القدرة الشرائية. فبينما تتحدث الحكومة عن دعم الأجور وتخفيف آثار التضخم، يتحدث المواطن عن واقع مختلف تمامًا: جيوب فارغة في نهاية الشهر، وارتفاع مستمر في كلفة الحياة اليومية. وهنا يتضح أن الأرقام التقنية للتضخم لا تعني الكثير أمام التجربة المعيشية المباشرة.

التضخم قد يتراجع في الإحصائيات، لكنه يظل حاضرًا في الذاكرة الاقتصادية للأسر التي دفعت ثمن سنوات الغلاء. وهذا الفارق بين “مؤشر اقتصادي” و”واقع اجتماعي” هو ما لا ينجح الخطاب الرسمي في تجاوزه.

أما حين ننتقل إلى ملف الأسعار وسلاسل التوزيع، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا: هناك خلل بنيوي في السوق، لا يمكن اختزاله في تبريرات ظرفية أو قراءات سطحية. تقارير مؤسسات رقابية تؤكد أن الإشكال أعمق من مجرد تقلبات، بل يرتبط بتركيبة السوق وآليات المنافسة والربح.

في النهاية، المشكلة ليست في أن الحكومة تقدم أرقامًا إيجابية أو تحاول إبراز إنجازاتها، فهذا جزء طبيعي من العمل السياسي. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأرقام من أداة للشرح إلى أداة لتجميل الواقع، ومن وسيلة للفهم إلى وسيلة لصناعة رواية جاهزة.

لأن بين “اقتصاد الأرقام” و”اقتصاد الواقع”، هناك مسافة لا تُقاس بالنسب المئوية، بل تُقاس بمدى شعور الناس الحقيقيين بأن حياتهم تتحسن فعلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى