معركة كسر العظام بالحي الحسني… حين تسقط الحسابات المسبقة وتختلط أوراق الانتخابات

محمد العزري
في السياسة، لا تحتاج دائمًا إلى إعلان حرب حتى تندلع… أحيانا يكفي قرار واحد غير متوقع ليشعل كل الجبهات. وهذا بالضبط ما حدث في الحي الحسني، بعد “التبديل التكتيكي” الذي أقدم عليه حزب العدالة والتنمية بتزكية سمير شوقي، في خطوة لم تُربك خصومه فقط، بل أعادت خلط الأوراق بالكامل.
قبل هذا المعطى، كانت القراءة العامة تميل إلى سباق مضبوط الإيقاع، تتحكم فيه أسماء تقليدية تعرف جيدا قواعد اللعبة داخل الدائرة، بل منهم من عدّ و السابق النتائج ليحدد له رقما معينا من الأصوات.
اليوم، تغير كل شيء، وأصبحنا أمام دائرة تتحول تدريجيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة، حيث لم يعد أي مقعد مضمون، ولم يعد أي مرشح في منطقة الراحة.
دخول شوقي، ببروفايله المركب، خلق حالة من “القلق الانتخابي” غير المسبوق. فهو لا يتحرك بنفس الأدوات الكلاسيكية، ولا يخاطب نفس القواعد التقليدية، وهو ما نقل المعركة من سباق انتخابي عادي إلى ما يشبه “معركة كسر العظام”.
ما وقع داخل العدالة والتنمية لم يبقَ شأنا داخليا، وتجاوز تداعياتها مطبخ ” المصباح” ليصل ” لهيبه”إلى بعض ممن ظنوا قبل أيام أنهم ” قطعو الواد ونشفو رجليهم.
فداخل حزب الأصالة والمعاصرة، تتجه الكفة نحو صباح الدين الشنݣيطي، ما يعني عمليًا إبعاد عبد القادر بودراع، ودفعه نحو البحث عن بديل سياسي، أقربه الحركة الشعبية، وهو معطى قد يعيد إدخاله بقوة إلى المعادلة بالنظر لتجربته الميدانية، ولا يمكن هنا أن ننكر أن الرجل قد “ينسف” قواعد زميله بالحزب في حال اختار مغادرة ” الجرّار” نحو حزب الحركة الشعبية.
في المقابل، يختار إدريس الشرايبي النزول مجددا بألوان التجمع الوطني للأحرار، رغم مؤشرات التصدع الداخلي، بينما يواصل حزب الاستقلال الرهان على محمد الركاني كخيار تقليدي.
وعلى الضفة الأخرى، يحاول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قلب المعادلة عبر الدفع بالشاب مروان عمامة، رافعًا شعار “التشبيب” في مواجهة ما يسميه الشارع بـ“شيوخ السياسة”.
غير أن ما يجعل هذه الانتخابات مختلفة حقًا، ليس فقط الأسماء، بل طبيعة الصراع نفسه. ما يجعلنا أمام مواجهة بين نموذجين:
نموذج الأعيان، القائم على الشبكات والنفوذ والتراكم الانتخابي،
ونموذج جديد، يراهن على الكفاءة، والصورة، والقدرة على التأثير خارج القنوات الحزبية التقليدية.
في هذا السياق، يشكل سمير شوقي ومروان عمامة عنوانًا لهذا التحول، كل بطريقته: الأول بخبرة مؤسساتية وإعلامية، والثاني بخطاب شبابي يسعى لكسر احتكار الوجوه القديمة.
الأكيد أن أخطر ما حدث، هو سقوط فكرة “التوزيع المسبق” للمقاعد.
اليوم، كل الاحتمالات واردة:
مرشح من خارج الحسابات قد يقفز إلى الواجهة، وآخر كان يضمن مقعدًا قد يجد نفسه خارج اللعبة، بل إن التحالفات غير المعلنة قد تحسم أكثر مما تحسمه الحملات.
أمام كل هذه التجاذبات. لم تعد دائرة الحي الحسني مجرد دائرة انتخابية… بل تحولت إلى مختبر سياسي مصغر، تُختبر فيه ملامح المرحلة القادمة. لأن تزكية واحدة كانت كافية لإشعال كل هذا الحراك، وإجبار الجميع على إعادة حساباتهم.
نحن أمام معركة لا تتعلق فقط بالمقاعد، بل بالسؤال الأعمق:
من سيمثل المرحلة المقبلة؟
الأعيان… أم الكفاءة؟
في الحي الحسني، الجواب لن يكون نظريًا… بل سيُحسم في صناديق الاقتراع.



