الديربي ليس معركة هويات.. والكرة أكبر من خطابات العنصرية والتفرقة

بقلم : محمد العزري
لم يكن الديربي البيضاوي، في يوم من الأيام، مجرد مباراة لكرة القدم. كان دائماً مناسبة استثنائية تنبض فيها مدينة الدار البيضاء بالحياة، وتتحول مدرجاتها وشوارعها إلى فضاء للتنافس الجميل، والإبداع الجماهيري، والفرجة التي صنعت شهرة الكرة المغربية داخل القارة الإفريقية وخارجها.
كبرت أجيال كاملة على فكرة أن الانتماء إلى الرجاء الرياضي أو الوداد الرياضي لا يفسد للود قضية، وأن “الخصومة الكروية” تبقى داخل حدود المستطيل الأخضر والمدرجات، دون أن تتحول إلى مساس بالهوية أو الأصل أو مكونات المجتمع المغربي.
لكن ما نشهده اليوم على بعض صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي يدعو فعلاً إلى القلق.
فقد خرج جزء من النقاش المرتبط بالديربي من دائرة الرياضة والتنافس المشروع، نحو مستويات خطيرة من التراشق القائم على النبش في الأصول، والسخرية من مكونات المجتمع المغربي، واستعمال خطاب جهوي وعرقي لا يمت لا للرياضة ولا لروح المغاربة بصلة.
الأخطر من ذلك، أن بعض الصفحات التي تقدم نفسها كمدافعة عن أنديتها، باتت تستثمر في هذا النوع من الخطاب فقط لأنه يحقق نسب تفاعل أكبر، في زمن أصبحت فيه “اللايكات” و”المشاهدات” لدى البعض أهم من المسؤولية الأخلاقية أو الوعي المجتمعي.
ما يقع اليوم ليس مجرد “مزاح جماهيري” عابر، بل مؤشر مقلق على تراجع جزء من النقاش الرياضي داخل الفضاء الرقمي، وتحوله أحياناً إلى منصة لإنتاج الكراهية الرمزية والتطبيع مع العنصرية والتمييز، في تناقض تام مع تاريخ الديربي البيضاوي نفسه.
لقد كانت جماهير الرجاء والوداد، لسنوات طويلة، نموذجاً للإبداع الجماهيري في المدرجات، من خلال “التيفوهات” والأغاني والرسائل الاجتماعية والإنسانية التي تجاوز إشعاعها حدود المغرب. ولم تكن قوة هذه الجماهير في الإساءة للآخر أو احتقار مكونات المجتمع، بل في قدرتها على تحويل الكرة إلى لغة للفرح والانتماء الجماعي والتعبير الحضاري.
اليوم، نحن بحاجة إلى التذكير بأن “تمغربيت” أكبر من أي انتماء كروي، وأن الاختلاف بين الجماهير يجب أن يبقى مصدر غنى وحماس، لا مدخلاً للتفرقة أو الاصطفاف الهوياتي الضيق.
كما أن المسؤولية هنا لا تقع فقط على الصفحات المشجعة، بل أيضاً على بعض المؤثرين وصناع المحتوى وحتى بعض المنابر التي تساهم أحياناً، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تضخيم هذا الخطاب بحثاً عن نسب المشاهدة والتفاعل.
إن كرة القدم وجدت لتقريب الناس، لا لتقسيمهم.
والديربي الحقيقي يُحسم فوق أرضية الميدان، بالأهداف والروح الرياضية، لا بخطابات الكراهية والتصنيفات العنصرية.
وفي “كازابلانكا الآن”، نؤمن أن قوة الرياضة المغربية لم تكن يوماً في قدرتها على خلق الصراعات، بل في قدرتها على جمع المغاربة حول لحظات الفرح والانتماء والأمل. أما تحويل الكرة إلى منصة لضرب النسيج المجتمعي، فهو انحراف خطير يستحق التوقف عنده، قبل أن نخسر شيئاً أكبر بكثير من مجرد مباراة.



