الرأي

استقالات جماعية بخميسات الشاوية تفضح أعطاب التنمية والتدبير.. وتضع السلطات الإدارية تحت مجهر المساءلة

بقلم : محمد العزري

لم تعد الاستقالة الجماعية التي هزت مجلس خميسات الشاوية مجرد خلاف عابر بين رئيس جماعة وبعض أعضاء أغلبيته، بقدر ما تحولت إلى مرآة تعكس أعطاباً أعمق تطال طريقة تدبير الشأن المحلي وحدود تدخل سلطة المراقبة الإدارية في ضمان السير العادي للمؤسسات المنتخبة.

ثمانية أعضاء من أصل 16، يمثلون الأغلبية نفسها قرروا الانسحاب من سفينة التسيير، واضعين استقالاتهم فوق مكتب عامل إقليم سطات، بعدما وصل الاحتقان، وفق روايتهم، إلى مرحلة لم يعد معها ممكناً الاستمرار داخل مجلس يقولون إنه لم يعد يؤمن بالتشارك ولا يُنصت لاقتراحات المنتخبين، خصوصاً تلك المرتبطة بالأولويات الحقيقية للساكنة، وعلى رأسها تأهيل المسالك الطرقية التي تتحول كل شتاء إلى عنوان لمعاناة يومية مع العزلة والطين وصعوبة التنقل.

الأعضاء المستقيلون لم يخفوا شعورهم بأن دورهم داخل المجلس أصبح شكلياً، وأن مقترحاتهم المتعلقة ببرمجة بعض المسالك ذات الأولوية جرى التعامل معها بمنطق الانتقائية أو اللامبالاة، بينما ظلت الساكنة تنتظر أشهراً طويلة دون أن ترى أثراً فعلياً لمشاريع سبق للمجلس أن صادق عليها.

الرئيس، من جهته، وجد في مسألة التأشير الإداري مبرراً لتفسير التأخر، معتبراً أن المشروع لم يكن ممكناً إخراجه إلى حيز التنفيذ قبل تأشير عامل الإقليم على المقرر الجماعي، وهو ما تم بالفعل لاحقاً. غير أن هذا التبرير، وإن كان يجد له سنداً قانونياً من حيث ارتباط بعض المقررات بمسطرة المراقبة الإدارية، لم يكن كافياً لإطفاء غضب أعضاء رأوا في طول الانتظار دليلاً إضافياً على غياب النجاعة وسوء التواصل داخل المجلس.

لكن ما يثير الانتباه أكثر في هذه الأزمة ليس فقط الخلاف بين الرئيس ومستشاريه، بل ذلك السؤال الثقيل الذي بدأ يفرض نفسه بهدوء داخل الأوساط المحلية: أين كانت سلطة المراقبة طيلة هذه الفترة؟

فإذا كان المستقيلون يؤكدون أنهم راسلوا السلطات المختصة مراراً بشأن ما يعتبرونه اختلالات في التسيير والتدبير، وإذا كانت حالة الاحتقان داخل المجلس بلغت مستوى استقالة نصف أعضائه تقريباً، فإن الصمت الإداري، سواء في عهد العامل السابق إبراهيم أبو زيد أو خلال المرحلة الحالية، يصبح بدوره موضوع نقاش وتساؤل.

صحيح أن عامل الإقليم ليس طرفاً سياسياً داخل الجماعة، وأن القانون يمنحه دور المراقبة الإدارية لا التدبير المباشر، غير أن فلسفة الرقابة التي جاء بها القانون التنظيمي للجماعات تقوم أساساً على ضمان احترام القانون والسهر على السير العادي للمجالس المنتخبة، خصوصاً عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى عنصر يهدد مصالح المواطنين ويعطل المشاريع المحلية.

لذلك يبدو من المشروع التساؤل: هل تعاملت السلطات الإقليمية مع هذه المؤشرات بالجدية الكافية؟ وهل تم فتح قنوات فعلية للوساطة والتتبع قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة الانفجار السياسي؟ أم أن منطق “تدبير التوازنات” وترك الصراعات تستنزف نفسها داخلياً ظل هو المقاربة الغالبة؟

في الواقع، ما يقع بخميسات الشاوية يكشف مرة أخرى أن أعطاب الجماعات الترابية لا ترتبط فقط بضعف الإمكانيات أو هشاشة البنيات التحتية، بل أيضاً بثقافة تدبيرية وسياسية ما تزال عاجزة عن تحويل المجالس المنتخبة إلى فضاءات حقيقية للنقاش التشاركي والتخطيط الجماعي. وعندما يشعر منتخبون من داخل الأغلبية بأن أصواتهم غير مسموعة، فإن الأمر يتجاوز مجرد صراع أشخاص ليصبح مؤشراً على أزمة ثقة في طريقة تدبير المؤسسة نفسها.

سياسياً، يصعب فصل هذه التطورات عن السياق الانتخابي الذي يقترب بسرعة، حيث تتحول كل أزمة محلية إلى مادة للصراع وإعادة التموضع استعداداً للاستحقاقات المقبلة. لكن وسط هذا الضجيج السياسي، تبقى الساكنة هي الطرف الأكثر انتظاراً لجواب بسيط: متى تتحول المجالس الجماعية من ساحات للتجاذب إلى مؤسسات تنشغل فعلاً بأولويات الناس اليومية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى