المرأة المطلقة بين مطرقة المجتمع الذكوري وسندان إثبات الذات

نقطة ضوء هذا الاسبوع تأخدنا الى عالم أشخاص تحوم حولهم الشائعات أينما حلوا وارتحلوا، اشخاص تصرفاتهم تحت المجهر، هن دائما في قفص الاتهام، يعشن داخل عالم المتاهات و التناقضات، بين الشعور بخيبة الأمل..الفشل..الإحباط..الظلم، والخوف مما هو أتيً، نساء شاء القدر أن تواصلن مسيرهن على خط العادات والتقاليد، وقد تتمكن بعضهن من العيش بكرامة، أما البعض الأخر فيبقى أسير نظرات الشك والاتهام، ورغم ذلك فهن “إنسان” يرتكب الخطأ والصواب، كيانات مستقلات بذاتهن وحزمة من الأحلام والمشاعر والطموح..وليست “لكنهن مُطَلّقات”
إن الحجر الزاوية والأساس في كل العلاقات الزوجية هو الصحبة والإقتران القائمان على الحب والتألف، بالإضافة إلى الغاية المنشودة في إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل وتكوين أسرة، لكن إذا اشتدت النزاعات والخلافات ولم يجد الزوجان الحل الكفيل لهذه المشاكل، وأصبحت حينها مسألة البقاء تحت السقف الواحد تسبب الشقاء والكد، والعجز في إقامة المصالح بينهما لتباين الأخلاق وتنافر الطباع، أباح الله تعالى لهما الإنفصال، بمعنى حل عقدة الزواج، لشرعية الطلاق في حالة مخصوصة للتخلص من المكاره الدينية أو الدنيوية، ويبقى الطلاق أبغض الحلال إلى الله .
غير أن النظرة الدونية تجاه المرأة المطلقة، والأحكام الصادرة في حقها تبقى مجحفة وغير منصفة، كما أنها لا تتوافق البثة مع العصر الحالي، هذه النظرة السوداء القاتمة المحاطة بسياج من الكتمان والسرية، نجدها تسلب المرأة المطلقة كرامتها وكبريائها وعزتها، إذا ما تمت مقارنتها بنظرة المجتمع تجاه الرجل المطلق، خصوصا إذا ما كان الأمر بين أوساط مجتمعات لا زالت حبيسة مجموعة من السلوكيات والقوانين والتفسيرات التي من شأنها سيطرة الذكور على الإناث، مما يجعلها تصنف بالمجتمعات الذكورية.
عاهات وتقاليد تجثم بثقلها على أمة من مشرقها حتى مغربها مع استثناءات قليلة لتكرس دونية المرأة المُطلقة عن غيرها، في مجتمع يدين بدين العُرف ويخشى القيل والقال أكثر مما يدين بدين إنساني حلل الطلاق وكرس مفهوم اليسر بدل العسر، فهذه الأفكار التقليدية المغلوطة بخصوص المرأة المطلقة، والأحكام الجاهزة والمستهلكة ذات الطابع الرجعي المنغلق، ما عادت تلائم الزمان في تطوره وتحضره، أكثر ما تعد عائقا أمام المرأة المطلقة في إثبات ذاتها، و الإرتقاء بكيانها وكينونتها وفرض وجودها، من خلال الثقة بالنفس ومعرفة الحقوق والواجبات.
ومنه فمسألة تحكم المرأة المطلقة في شخصيتها وأخلاقها، وقوة إرادتها، وتحديها كل الصعاب في مجابهة ومواجهة الظروف القاسية التي أملتها عليها تجربة زواج كانت فاشلة، وإستمرارها رغم ذلك في تكملة مشوارها نحو إثبات الذات، لهي التقنية الصحيحة للقطع مع النظرة المنحطة التي تواجهها داخل محيطها الصغير والكبير، وذلك من خلال الدفاع عن الحقوق الشخصية الفردية المشروعة، سواء عند الإحتكاك بالأخرين من الغرباء أو الأقارب، أو في العمل الذي يعد أكبر خطر يواجه النساء المطلقات حيث أغلبيتهن تتعرض إلى الإصطدام من قبيل محاولات التحرش، أو التلميح إلى الرغبة بإقامة علاقات غير شرعية من قبل الآخر “الذئب”، الذي فور علمه بمسألة الطلاق يصبح متربصا ومتحايلا للفرصة، لكن عند عدم نزول المرأة المطلقة لتحقيق رغباته الشيطانية، تنال المسكينة تهميشا وتقزيما ومضايقات، أو لربما طرد في قادم الأيام، مما يجعلها حائرة بين خيارين أحلاهما مر، إما القبول وعصيان المولى عز وجل، أو الرفض والحرمان من لقمة العيش.
وفي هذه الحالة (المرأة المطلقة والعمل) يجب عليها التمتع بالشجاعة الكافية، وعدم الخوف من التعبير عن الشعور الحقيقي، بما في ذلك التحلي بالقدرة اللازمة، لرفض كل الطلبات التي تصب في اطار اللامعقول و الضارة بسمعتها وبحسبها ونسبها وصحتها، الأمر الذي يتكلب منها رعاية تصرفاتها بأن لا تتظاهر بالإستخفاف في الإعتدال والرزانة وإحترام النفس، وتحديد مواقف الزمالة وتأطيرها، فهي أسلحتها لمحاربة أعدائها والتي بها تقتحم طريق المستقبل الذي لايزال غامضا أمامها، وأما الخوف على ضياع فرصة العمل، أو فقدان لقمة العيش، فهنا أشير إلى أن خير تجارة تلك التي مع الله وهو خير الرازقين.



